رأي

تعليم أفضى إلى طبقية

تم نشر هذا المقال في صحيفة الشروق المصرية، ويعاد نشره هنا بحسب الاتفاق المبرم مع المجلة وموافقة الكاتب.

لماذا نحلم بتطوير تعليمنا؟! هل لدينا أهداف واضحة نسعى إلى تحقيقها من خلال التعليم؟! ما هو شكل التغيير المجتمعى الذى ننتظر أن يحققه التعليم؟! وفى سبيل ذلك، ما هى التغييرات الاستراتيجية التى نحتاجها فى سياسات التعليم؟!

واحدة من أهم المشكلات التى يعانى منها المجتمع المصرى هى الطبقية الاجتماعية والاقتصادية. وهى طبقية متأصلة طوال عقود من الاحتلال، حاول عبدالناصر القضاء عليها ولكنها ما لبثت أن عادت بقوة مع سياسات الانفتاح الساداتية والتى قلبت المجتمع المصرى رأسًا على عقب، فبعد أن كانت العلاقة بين المستوى الاقتصادى ومستوى التعليم فى الماضى علاقة طردية، أدت سياسات الانفتاح الاقتصادى إلى كسر القاعدة وإتاحة الفرصة لأى فرد مهما كان مستوى تعليمه إلى الاقتراب من قمة الهرم الاجتماعى شريطة التفوق الاقتصادى. وهكذا أعاد المجتمع ترتيب صفوفه إلا أنه أبقى على المنظومة كما هى ــ منظومة الطبقية الاجتماعية والاقتصادية. وكان لشكل التعليم نصيب الأسد فى التسبب فى تلك الحالة المجتمعية غير الصحية.

فإذا نظرنا إلى المنظومة المهترئة للتعليم الجامعى على سبيل المثال، لوجدنا أنها تساهم بشكل كبير فى الإبقاء على الشكل الطبقى للمجتمع وإعادة إنتاجه، فمبدأ تكافؤ الفرص تم الإطاحة به فى كافة خطوات التعليم الجامعى بدءًا من فرصة الحصول على التعليم، مرورًا بشكل وجودة التعليم، ووصولًا لفرص العمل المعتمدة على مكتسبات التعليم.

ففى مجتمع وصل معدل الفقر فيه إلى ٧٠٪ بحسب الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، قد نستبشر خيرًا إن علمنا أن الإقبال على التعليم الجامعى فى تزايد. لكن يكفينا النظر إلى سياسات التمييز ضد الفقراء فى فرص الحصول على التعليم الجامعى لكى نعلم أننا بحاجة إلى تغييرات استراتيجية راديكالية.

يبدأ التمييز فى التعليم الجامعى من مرحلة التعليم المدرسى حيث يتلقى أبناء الأسر ميسورة الحال تعليمًا ورعاية أفضل فى المدارس الخاصة. ويتلقى معظم طلبة تلك المدارس تعليمهم بلغة أجنبية على عكس أقرانهم فى المدارس الحكومية مما يفصلهم عن مجتمعهم ويعمق الهوة بينهم وبين باقى طوائف المجتمع ويرسخ للطبقية حيث يصبح التمكن من لغة ثانية هو الفيصل فى حكم المجتمع على مستوى تعليم الفرد، وحيث تتسع الفجوة بين ثقافات فئات المجتمع الواحد.

أضف إلى ذلك توفير المدارس الخاصة ظروفًا أفضل وجودة أعلى مما يؤهل الطالب للحصول على مجموع أفضل فى الثانوية العامة والالتحاق بجامعة أو كلية «أفضل». وهو ما يقودنا للحديث عن مستوى آخر من مستويات التميز الطبقى الثقافى، وهو التمييز بين الكليات والتخصصات المختلفة، فمجتمعنا لا يزال يرسخ لفكرة أن قمة النجاح فى رحلة العلم هو أن تكون طبيبًا أو مهندسًا، أما إذا التحقت بكلية أخرى لتدرس تخصصًا آخر فأنت بالتأكيد قد أخفقت بشكل ما وهبطت درجة أو اثنتان أو عشرة على سلم طبقات المجتمع. تمتلئ كليات الطب والهندسة فى مصر بقصص طلبة أجبرهم آباؤهم على دخول الكلية وآخرون التحقوا بالكلية سعيًا منهم إلى الوجاهة الاجتماعية وكسب احترام وتقبل المجتمع بينما يتجه شغفهم إلى تخصصات أخرى. ولك أن تستنتج تأثير ذلك على تحصيلهم ونجاحهم فى مجال فرضته عليهم ثقافة مجتمع.

ولعل التمييز الطبقى فيما يتعلق بالالتحاق بالتعليم الجامعى يتجلى فى أبهى صوره فى ثنائية الجامعات الحكومية والخاصة حيث أصبح لدينا الآن عدد متماثل فى المعسكرين بينما يوفر المعسكر الثانى فرصة للطالب المقتدر لا تُتاح لطالب يماثله فى المستوى العلمى ولكنه منتمٍ لأسرة فقيرة أو محدودة الدخل. فالطالب الذى لا يؤهله مجموعه دراسة إحدى التخصصات فى الجامعات الحكومية يتيح له المجلس الأعلى للجامعات دراسة ذلك التخصص فى جامعة خاصة، بمعنى آخر فالطالب ــ أو أسرته ــ يشترى فرصته بالمال بينما لا يستطيع قرينه المكافئ له علميًا الحصول على نفس الفرصة لضيق ذات اليد. ويتعمق إحساسنا بانعدام العدالة إذا ما نظرنا إلى العوامل المساعدة لكلا الطالبين للحصول على مجموع أعلى فى الثانوية العامة، حيث يتجلى بوضوح الاختلاف السافر فى الظروف المعيشية وجودة الخدمة التعليمية المقدمة، ولعل الدروس الخصوصية من أبرز عوامل النجاح فى واقعنا الذى ينحاز بطبيعة الحال لميسورى الحال ضد الفقراء.

ثم تأتى المقارنة بين الجامعات الخاصة والحكومية لتزيد الصورة اتضاحًا. فيكفى أن نلقى نظرة على تجهيزات الجامعات وأعداد الطلبة فى الفصل الواحد، والخدمات المقدمة بكل منها. صحيح أن جودة التعليم ليست عالية فى كثير من الجامعات الخاصة – وقد يرتبط هذا بمعايير التعليم المتدنية فى جامعات مصر بوجه عام ــ ولكن تظل الحقيقة أن الجامعات الخاصة تقدم فرص التحاق غير متكافئة للطلبة ميسورى الحال وتقدم ظروفًا تعليمية أفضل للطالب.

يقودنا كل هذا إلى الجدل الدائر عالميا حول ما إذا كان التعليم العالى يصب بشكل أساسى فى خدمة الفرد أم المجتمع وبالتالى ما إذا كان تمويله يجب أن يقع على عاتق الفرد أم المجتمع. وفى حين تتمسك الرأسمالية بفكرة أن التعليم العالى للفرد يعود بالنفع عليه بالأساس وبالتالى يتحتم عليه تحمل مسئوليته وتكاليفه، نرى حكومات تتخلى عن دعمها للأفراد وتتركهم يتكبدون عناء الأعباء الاقتصادية لتعليمهم مثلما حدث فى انجلترا فى 2010 حيث ارتفعت مصاريف الجامعات إلى ثلاثة أضعاف، مما تسبب فى مظاهرات كبيرة للطلبة آنذاك لم تسفر عن نتائج تذكر وينتظر كثير من المحللين والمراقبين نتائج وخيمة لهذا القرار على المجتمع الإنجليزى فى غضون السنوات القليلة القادمة.

فتعليم الفرد لا يعود بالنفع عليه فحسب وإنما يعود بالنفع على المجتمع ككل فى صورة وعى وعلم وتطوير وخدمات وسلوك مجتمعى وبالتالى يجب أن توفر الدولة الميزانية اللازمة له وتعمل على تعليم أبنائها بغض النظر عن قدراتهم المالية باعتباره حقهم على المجتمع ككل. فنحن لا نريد العيش فى مجتمع يتعلم فيه أبناء الأثرياء ويبقى القطاع العريض من أبنائه محرومًا من فرص متكافئة للارتقاء بنفسه وبالمجتمع كافة.

إذا أردنا حقًا تحقيق العدالة الاجتماعية، علينا تحقيقها أولًا فى سياسات التعليم التى ترسخ لمفهوم الطبقية وتزيده توغلًا فى جسد المجتمع وتُفاقم من مرضه بدلا من أن تساعد على شفائه.

* أمل أبو ستة طالبة دكتوراه فى الأبحاث التعليمية في جامعة لانكستر بانجلترا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى