رأي

السباق إلى القمة

هل يمكن لكليات إدارة الأعمال في الأسواق الناشئة تحقيق شهرة واعتراف عالميين؟ فإذا كان الماضي ينبئ بالمستقبل، فإنني أعتقد أنه من الممكن للمؤسسات الأكاديمية الجريئة القيام بذلك، على الدوام.

استنادا إلى تجربتي الشخصية، فإن هذا المقال يوضح ما الذي سيستغرقه تحويل كلية إدارة أعمال محلية إلى كلية ذات سمعة ومرتبة متقدمة في التصنيفات العالمية للتعليم العالي.  في منتصف الثمانينات، انخرطت في مشروع المعونة الإنمائية في الصين والتي تم تمويله من قبل الاتحاد الأوروبي. كان المشروع عبارة عن برنامج ماجستير في إدارة الأعمال يستقبل الطلاب كل عامين.

فيما يتعلق باحتياجات الإدارة في الصين، فقد كانت منخفضة كنقطة بمحيط. ومع إدارك الحاجة الهائلة لوجود إدارة مدربة موهوبة من شأنها أن تتزامن مع تصاعد الصين كقوة اقتصادية جديدة، لم أستغرق وقتا طويلا للبدء في التفكير في كيفية تحويل هذه القاعدة الصغيرة إلى كلية إدارة أعمال حقيقة.

 لسوء الحظ، العديد من الأحلام تبقى مجرد أحلام. إلا أن هذا لم يكن كذلك. مع حلول عام 1993، ورغم كل الصعاب، حصلنا على موافقة الحكومة لإنشاء كلية إدارة أعمال مستقلة، كلية الصين وأوروبا لإدارة الأعمال الدولية في شنغهاي. بعد 15 عاما، تم تصنيف برنامج الماجستير في هذه الكلية ضمن المراتب الـ20 الأولى في العالم: برنامج لا يتبع كلية أوروبية أو أميركية استطاع الظهور والمنافسة على المستوى العالمي. بوجود رؤية، قناعة راسخة وعمل شاق مع بعض الحظ كل شيء ممكن. في أي مكان.

 وبناء على ما حققته في الصين، تلقيت دعوة من مجموعة لديها مشاريع خاصة إلى تكرار المشروع في روسيا، ولكن مع إضافة طلب أن تكون المدرسة قادرة على إدارة التعليم في القرن الحادي والعشرين. قضيت خمس سنوات في بناء أساسيات ما عرف لاحقا بكلية إدارة الأعمال الرائدة في روسيا، وهي جامعة لا مثيل لها. مع دول “بريكس” (البرازيل، روسيا، الهند والصين) وغيرها من الاقتصادات الناشئة المتقدمة إلى الواجهة في العالم، شرعنا في إنشاء المدرسة التي من شأنها تطوير قادة الأعمال لمواجهة تحديات البيئة التي تمتلكها هذه الاقتصادات.

التواجد في روسيا، منحنا شرعية التعرف على هذه البيئات. لقد شعرنا أن كليات إدارة الأعمال التقليدية مستمرة في التركيز أكثر على تطوير النفور من المخاطر لدى الموهوبين في إدارة الشركات وليس على الموهبة اللازمة لتولي زمام الأمور في البيئات غير المنظمة مع ندرة الموارد البشرية.

 ابتكرنا في مجالين رئيسيين: علم أصول التدريس وإدارة الكلية. في علم أصول التدريس، التزامنا بصورة رئيسية بالتعلم التجريبي. هذا العلم ليس من السهل اعتماده كجوهر للتدريس، ولكن مع إمكاناته لصقل كفاءات السوق ذات الصلة وجاذبيتها للطلاب (كبديل لطرق التدريس السلبية التقليدية)، كان لدينا حافز لإتقان التعليم التجريبي. أنشأنا برنامج ماجستير إدارة الأعمال جديد جدا حيث يقضي الطلاب أربعة أشهر فقط من البرنامج في الصف في موسكو و14 شهرا في تنفيذ خمسة مشاريع في ثلاث قارات.

 وبصرف النظر عن الفلسفة التربوية، قمنا أيضا بتغيير بيئة التعلّم الاجتماعية. ويستند القبول في ماجستير إدارة الأعمال على الفرد نفسه، ولكننا شرعنا في تحقيق أقصى قدر من التباين في الصف، مصممين بيئة تعليمية أكثر ثراء من خلال عدم تجانس الخلفية. بمعنى أن المرء لا يتعلم الكثير من الناس الذين يشبهونه. هذا التباين كان تحديا لأعضاء هيئة التدريس. ومع ذلك، وجدنا طرق جديدة لدمج الطلاب في عملية التعلم عن طريق جعلهم مسؤولين عن مساعدة الطلاب الأقل قدرة منهم. فأصبح البرنامج قائما على شراكة التعلم وتحول إلى وسيلة لشحذ المهارات وتوجيه الطلاب، وهو أمر ضروري للقادة في الاقتصادات الناشئة مع المواهب البشرية النادرة. وكما هو الحال دائما، تحول التحدي إلى فرصة.

 خلال أخذنا في الاعتبار كيفية إدارة الكلية، عالجنا المشكلة الدائمة وهي التدريس مقابل البحوث العلمية.

في كليات الأعمال التقليدية، من المفترض أن يقوم أعضاء هيئة التدريس بالمهمتين على حد سواء. ولكن لديهم مهام مختلفة أساسا باستخدام كفاءات المختلفة. إن الطلب من جميع أعضاء هيئة التدريس القيام بالمهمتين على حد سواء هو كمن يسأل مدير البحوث العلمية والتطوير أن يقوم بمهام البائع وأن يقوم البائع بمهام مدير البحوث العلمية والتطوير.

 تماما كما لا يمكن لشركة رائدة أن تقوم بالتجارة وإطاء الخبرة في كل شيء، لا يوجد كلية إدارة أعمال ناجحة وأعضاء هيئة التدريس فيها يقومون بكل الأشياء. لذلك ابتكرنا نظاما ثنائي المسار حقيقي يقوم فيه باحثو الكلية بإجراء الأبحاث فقط (في مراكز تعليمية ذات تمويل ذاتي) كما يقوم أعضاء هيئة التدريس بالتدريس فقط؛ ويتم إدارة كل مسار منهما بشكل مختلف على حد سواء. وتم إنشاء بيئة تحترم وتقدر كلا المسارين.

 وبالانتقال سريعا إلى عام 2012 والعالم العربي، حيث يعاني هذا العالم من نقص حاد في الخدمات التعليمية مع شركات عاملة في بيئات غير ثابتة وغي متطورة. على الرغم من أن المنطقة لديها واحدا من أكبر تجمعات الشباب في العالم، فإن حفنة من كليات إدارة الأعمال اللائقة لا توفر ما يكفي من منصة تعليمية لتلبية تطلعات الشباب العربي. مثل زملائهم في مناطق أخرى من العالم، يحق لهم الحلم كبيرا. ويحق لهم أيضا تلقي التعليم الذي يعطيهم الأساس لتحقيق أحلامهم. تعاني المنطقة نقصا مزمنا في القادة ذوي الرؤية الثاقبة لكونها لا تزال رهينة تاريخها الخاص. لذلك فإن مستقبل المنطقة إلى حد كبير يكمن في أيدي جيل الشباب الحيوي المقبل.

 بعد الصين وروسيا، لاحت في أفقي بشكل كبير منطقة الشرق الأوسط لتقديم نماذج لمدارس أعمال مبتكرة. كانت الثقافة والعالم كله جديد كليا بالنسبة لي ولكنه أيضا شكّل فرصة لي للتعلم. كيف يمكن للمرء غرس قيم التعلم في الآخرين من دون عقل منفتح ونزعة حقيقية للتعلم المستمر مدى الحياة؟

 وبعد بناء كليتين مستقلتين لإدارة الأعمال ذي مستوى رفيع من الصفر، تساءلت كيف سيكون العمل ضمن الحدود الأكاديمية في الجامعات التقليدية. هكذا وجدت طريقي إلى مدرسة العليان لإدارة الأعمال (OSB) في الجامعة الأميركية في بيروت، مع تفويض للحصول على إمكانات كاملة من خارج هذه المدرسة.

 لذا فإن الحاجة إلى استراتيجية محددة وجذابة مع طموح من شأنه أن ينقل كلية OSB لتكون من أبرز كليات إدارة الأعمال، وهو مركز تستحقه ويمكن تحقيقه. كيف يمكن الوصول إلى ذلك؟

 في وقت مبكر من حياتنا ننمي رؤية بديهية، إلا أننا على ما يبدو ننساها حين نكبر، وهي أن أفضل وسيلة للكسب ليس التميز بل بضبط القواعد. عند مراقبة الأطفال وهم يلعبون الألعاب الخاصة بهم، نرى أنهم يضعون القواعد للعبتهم خلال لعبهم. هناك بعض الحكمة غير المعترف بها في هذا: للوصول بالكلية إلى القمة، يتوجب تغيير القواعد.. حتى في الجامعة الأميركية في بيروت، واحدة من الجامعات الرائدة في الفنون الحرة في المنطقة، فإنها لن تتغلب على جامعة هارفرد أو إنسياد في ما تمتلكه من مميزات. علينا اتباع طريق مختلف، ولكن ليس مختلفا كثيرا. ما لم تربط الاستراتيجية الخاصة بك مع بعض النقاط الحرجة في اللعبة الأكاديمية التقليدية، لا أحد سوف يأخذك على محمل الجد. يجب أن ترى بوصفك سياسيا متفردا وليس أحد رعاة البقر.

 وهذا يتطلب ابتكارا ذكيا في المحتوى وفي سير العملية. وكلاهما ضروري للحصول على الاهتمام الملحوظ، جذب القطاع، وتغيير المعايير التي يتم من خلالها تقييم جودة الكليات. إن تغيير المعايير هو أسرع وسيلة للوصول إلى القمة. كما أنه انه الهدف حيث يمكن تحقيق الاعتماد. العديد من الكليات لدى حصولها على الاعتماد تنضم إلى النخبة، وبالطبع هذا يحدث ولكن في المستويات الدنيا. هذا لا يعكس تماما إحساس الطموح.

 إن نقطة البداية هي الوصول إلى رؤية ملهمة وطموحة. هذا يعطي إحساسا بالقيادة والأمل، كما يعطي فكرة عن التحديات المتواجدة في المؤسسة. تتطلب إدارة التغيير قيادة حاسمة، وهي ليست مسابقة جمال. قبل تنفيذ التغييرات، على المرء أن يكون أن يدرك مكامن القوى لديه. وحالما يتم وضع رؤية مستقبلية، يظهر ثلاثة قطاعات ناشئة. يتكون الفريق الأول من أولئك المتحمسين الذين يستمدون طاقتهم من الرؤية وهم على استعداد للعمل غالبا أسرع حتى من المطلوب.  المجموعة الثانية هم أولئك الذين يقولون “عظيم أنا أؤيد ذلك، ولكن دعني وحدي أقوم بما أريد”. ونظرا للطبيعة الأكاديميين، فإن هؤلاء يشكلون في كثير من الأحيان مجموعة كبيرة. أما المجموعة الثالثة فهم أولئك الذين هم ضد الرؤية لأنهم مهددون شخصيا بالتغيير في وضعهم الراهن، وهم لديهم ما يخسرونه. لإحداث أي تغيير في قمة الإدارة، عليك التعرف سريعا على مواقف الناس وإما جلبهم إلى صفك، أو تحييدهم أو تهميشهم  أو التخلص منهم. هذا ما ينبغي القيام به بسرعة بدلا من الوقوع في فخ تنظيم المعارضة.

 عليك أيضا تقسيم الهيكل الإداري في المدرسة. من ناحية، تحافظ على استمرارية عمل البرامج على النحو المعتاد. يمكن إجراء بعض التغييرات تدريجيا للوضع البرامج القائمة على المسار الصحيح ومواءمتها ببطء مع الرؤية.

من ناحية أخرى، هنالك بعض الموارد التي يتعين سحبها من التداول اليومي إثر البدء بعملية وضع الاستراتيجية الجديدة. هذا هو المكان الذي يحتاج إلى قيادة، وبالتالي فإن إدارة العملية الحالية يمكن تفويضها إلى مساعد موثوق به. كل هذا أمر روتيني جدا. ولكن كوافد جديد إلى المؤسسة، من الأهمية بمكان أن تفعل كل هذا بطريقة شفافة. إن الهدف هو تركيز كامل الطاقة على التطوير ووضع استراتيجية والحصول على الزخم الإيجابي الشامل، لا أحد سيستفيد فورا من الاتجاه الجديد ولكن من الأهمية بمكان أن يشعر الجميع أنهم سيحققون ذلك في نهاية المطاف.

 هذا التصور يجب أن يلهم الجميع. وقد استغرق الأمر بعض الوقت لاستكشاف الفرص وجذب الآراء، لكن نحن في مدرسة العليان توصلنا إلى تصور عظيم، فكرة 25/25: بأن نكون ضمن أفضل 25 كلية لإدارة الأعمال في العالم بحلول عام 2025.

 طموحة؟ بالتأكيد. قابلة للتنفيذ؟ تماما. ولكن هناك حاجة للابتكار في المحتوى وسير العملية والتي يمكن الاعتراف بها عالميا على أنها ذات صلة وذكية، والتي يمكن أن تضع كليتنا على الخريطة العالمية كلاعب ذو مصداقية. وكان لدينا بعض الأوراق الرابحة، ففي علم أصول التدريس (وخصوصا استخدام التكنولوجيا لإعادة تصميم علم أصول التدريس)، وإدارة أعضاء هيئة التدريس، ونموذج الأعمال التجارية، نحن ذاهبون لتغيير القواعد. من حيث المضمون، شرعنا في بناء هوية مميزة حول ثلاث مجالات ذات أهمية محلية، ولكن أيضا يمكن أن نساهم على الصعيد العالمي: الشركات العائلية وريادة الأعمال والابتكار، والقيادة المسؤولة.

ما كان جذابا بشكل خاص هو أننا استفدنا من موارد الجامعة وليس فقط كلية إدارة الأعمال. في الواقع، إن العديد من المبادرات صمم ليكون حقا متعدد التخصصات وعلى هذا النحو فإن الاستفادة الكاملة من هوية كلية إدارة الأعمال باعتبارها جزءا لا يتجزأ في مؤسسة أخرى.

 إحدى المبادرات كانت حول الإدارة المستدامة للتراث. وتقوم الفكرة على دراسة نماذج الأعمال التي من شأنها علاج المواقع التراثية (والمجتمعات من حولهم) كما نظم الإيكولوجية المكتفية ذاتيا وتهيئة المواهب المهنية اللازمة لتطوير وإدارة هذه المواقع. هذا الجهد يستلزم تدخلا من كليات التاريخ، علم الآثار، التنمية المجتمعية، تنظيم المشاريع الاجتماعية، الإدارة والتكنولوجيا. بشأن الكلية الأخيرة، نظرنا في أحدث التقنيات الثلاثية الأبعاد 3D لإعطاء الزوار فكرة بصرية لكيفية تناسب الآثار مع الواقع في ذلك الزمن.

بالنظر إلى ثراء المنطقة في التراث التاريخي، رأينا في ذلك وسيلة لتقديم مساهمة مسؤولة مع احتمال تأثير عالمي. ومع معاناة الحكومات من ضائقات مالية في جميع أنحاء العالم، وتخفيضهم لميزانياتهم لتغطية نفقاتهم، فإن المواقع التراث شهدت تراجعا في دعمهما في كل مكان.

 ولخلق زخم إيجابي من أجل التغيير، كان من المهم إشراك أعضاء هيئة التدريس قدر الإمكان. تم إنشاء فرق عمل حول مختلف البرامج التي كانت جزءا من رؤية 25/25 بحيث يشعر كل منهم بأنه يساهم في تنفيذ الرؤية.

وساهمت المشاركة النشطة والمناقشة في تمكين تطوير ثقافة جديدة، وتم بناء القيم التي تكوّن البوصلة الأخلاقية للكلية الجديدة. في نهاية المطاف، إن الهوية الثقافية وتماسكها هي مكونات رئيسية من شأنها بناء أو كسر أي مؤسسة عندما تخضع للمنافسة أو لأي ضغط آخر.

 لقد كانت رؤية 25/25 أشبه بوقوع حجر في بركة أكاديمية هادئة. الأفكار والمقاربة التي التقطتها الرؤية مزعجة والمسار المطلوب لتحقيق هذا التغيير سيظهر صداه في جميع أنحاء الجامعة. إن التقدم يأتي في النهاية من رؤية وفهم للفرص والتحديات التي تأتي معهم بشكل واضح. ولكن هذا أمر بالغ الصعوبة لأي معهد للتعليم العالي غارق في التقليد الذي يسعى بشكل غريزي للحفاظ على الوضع الراهن.

 إن وضع كلية إدارة الأعمال على مسار مثل رؤية 25/25 يتطلب وجود إطار مؤسسي وثقافة ملتزمة، مستعدة، وقادرة على تغيير والتعلم من تلك العملية. أما الكليات المستقلة، فهناك حاجة إلى بيئة الأعمال الحرة التي تمكّن وتدعم نهجا واضحا للقيادة الأكاديمية العالمية. في حين أن تقليد المؤسسات ذات السمعة العالمية يفيد في نهاية المطاف المؤسسة العالمية بدلا من المنطقة. الابتكار المتأصل والمستوحى من الخصوصية المحلية ذات الأهمية العالمية هو أحد المسارات الممكنة لوضع العالم العربي على خريطة بوصفه القيادة التربوية.

 *ويلفريد فانهوناكر أستاذ متخصص في العلوم التسويقية والأسواق الناشئة وعميد سابق لكلية سليمان العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى