نصائح ومصادر

ما هو أبعد من فيس بوك: تبادل ثقافي أعمق عبر الانترنت

لم تسافر سمية عيد خارج مصر يوماً في حياتها. لكنها لا تزال تشعر أنها شاركت في فصول دراسية دولية لمدة أربع سنوات.

بسبب مشاركتها في برنامج للتبادل عبر الإنترنت تقدمه سوليا، مجموعة غير ربحية مقرها الولايات المتحدة  تسعى لتحسين الحوار بين الغرب والعالم الإسلامي، تعتقد عيد أنها تمكنت من التفاعل بعمق مع آخرين من العالم العربي وأوروبا و الولايات المتحدة. قالت عيد “خرجت من هذه التجربة بشعور بضرورة فهم لماذا يفكر الناس في أجزاء أخرى من العالم بالطريقة التي يفكرون بها ، بدلاً من إقناعهم برأيي.”

كانت عيد متشككة في البداية. إذ لاحظت قبل انضمامها إلى برنامج سوليا أن النقاشات عبر الإنترنت في “غرف الدردشة” تبدو أقرب إلى أنها حول أشخاص يحاولون إقناع ناس آخرين بصحة معتقداتهم. من خلال سوليا، شاركت في محادثات أكثر تنظيماً. كانت تقوم بذلك، كما تقول، وهي تقوم بتطوير مهارات التعامل مع الآخرين والتي يمكن اكتسابها فقط من خلال الاختلاط الواسع مع ناس من خلفيات مختلفة وهو شئ لم تعتد عليه سابقاً.

يعتبر برنامج كونكت لمؤسسة سوليا واحداً من محاولات كثيرة لتسخير إمكانات شبكة الإنترنت لتشجيع التبادل الثقافي، كما أنه واحد من أكبر البرامج. عملت سوليا مع أكثر من 40400 طالباً وطالبة من 100 جامعة  في منطقة الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية.

يحاول برنامج سوليا تشكيل اتصالات الطالب بطريقة ميسرة وثابتة ومتعمقة. فالتفاعلات، بحسب ما يقول مديرو سوليا، لديها القدرة على تحويل التبادل على الانترنت إلى حوار وتفاهم وقبول، بدلا من مجرد تعزيز المفاهيم الخاطئة.

في العالم العربي، تمكن برنامج سوليا من الوصول إلى طلاب في مصر، لبنان، الأردن، فلسطين، ودول مجلس التعاون الخليجي، وغيرها. يعتقد إداريو سوليا أن البرامج لديها تأثير قوي على الطلاب. ومن ضمن مؤشرات أخرى، أظهرت دراسة لعلماء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بالتعاون مع سوليا أن أدمغة الطلاب المشاركين “تعكس زيادة في قبول الآخرين.”

ليس الوصول إلى الطلاب العرب على الانترنت بالمهمة السهلة دائماً. ينتشر الانترنت بنسبة 39 في المئة  في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وفقاً لإحدى الدراسات، إلا أن لدى طلبة الجامعات فرص أكبر بصفة عامة للوصول إلى الانترنت. ولكن الوصول إلى الإنترنت لا يؤدي دائما إلى مستويات أعلى من التفاهم الثقافي. ” المنصات على الانترنت مثل فيس بوك تميل فقط إلى تعزيز الصور النمطية،” هكذا قال أسامة مدني، رئيس قسم اللغة الإنجليزية في جامعة المنوفية في مصر ، وهو شريك سوليا. “إن الشباب بحاجة إلى إيجاد طرق جديدة وأكثر تطوراً في استخدام الإنترنت للتعلم حول العالم “.

وجد مدني أن العديد من الطلاب في جامعة المنوفية، إحدى أكبر الجامعات الحكومية في المحافظات، لديهم نظرة محدودة جداً للعالم. ذلك أن الفرص المتاحة لبرامج التبادل الأجنبية محدودة في المنوفية، ويعتقد أن برامج الانترنت يمكن أن تكون البديل القادم الأفضل. وأضاف ” لقد منحت تلك البرامج الطلاب فرصة لتحدي وجهات نظرهم الخاصة. إنها تعزز مهاراتهم، بينما في الوقت نفسه تزيد مستويات الوعي الذاتي و الوعي بالآخر”.

بدأت سوليا كرد فعل من قبل مؤسسيها، لوكاس ويلش وليزا شامبرز، للحاجة إلى زيادة التفاهم بين الغرب والعالمين العربي والإسلامي. “بعد أحداث 11 سبتمبر، رسمت العديد من وسائل الإعلام الغربية صورة سطحية عن العالم العربي إلى الغرب وعلى صعيد آخر جعلت العديد من العرب والمسلمين في موقع الدفاع،” هكذا قالت سلمى الببلاوي، مديرة البرامج في سوليا.

تم تطوير برنامج سوليا في محاولة لتغيير ذلك. إذ تقدم  دورات سوليا التي تستمر لمدة فصل دراسي جلسات مصورة بالفيديو  لمدة ساعتين أسبوعياً بين مجموعة من الطلاب، نصفهم من أوروبا والولايات المتحدة والنصف الآخر من الدول العربية والإسلامية.

قالت الببلاوي ” نقدم المناهج التي تشجع مناقشات ذات مغزى بشأن قضايا وجودية. إنها أنواع من الأحاديث التي لا يمكن أن تتحقق بسهولة حتى عندما يجتمع شخص بشكل عشوائي عبر الإنترنت مع شخص أخر”. ينخرط الطلاب في مناقشة حول مائدة مستديرة مع اثنين من الميسرين، واحد لكل مجموعة من الطلاب. ”  إنها مصممة لجعل جميع الطلاب يشعرون بأنهم أحرار في التحدث على قدم المساواة مع أقرانهم”، أضافت الببلاوي. تأمل سوليا في توسيع نطاق برنامجهم ليتم إدراجه ضمن المناهج الدراسية للغة الإنجليزية أو الدراسات الثقافية في الجامعات.

يعتبر العديد من الطلاب والإداريين سوليا فرصة غير عادية لتعلم مهارات جديدة.  وقالت سهى جاد، مدير الشراكات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في سوليا “التعليم العالي في العالم العربي خاصة، هو متحذلق للغاية وتعليمي. معظم الطلاب في سوليا يجدون هذه كوسيلة ليشعروا بمزيد من الثقة للتعبير عن أنفسهم وأرائهم.”

وفقاً لجاد، فقد أقر الكثيرون من طلاب سوليا أن تعزيز مهارات التعامل مع الآخرين وتعزيز الوعي الدولي قد حقق لهم نجاحاً أكبر في البحث عن وظائف. وأضاافت “لقد تابعنا العديد من الدراسات التي تقول أن التواصل والعمل الجماعي يأتيان على رأس المهارات المطلوبة من قبل معظم الشركات، ووجدنا أن المناهج في جامعات العالم العربي تفتقر حقاً لهذه المهارات”. يرغب ما بين 35 في المئة و50 في المئة من طلاب سوليا في منطقة الشرق الأوسط أن يصبحوا مدربين متطوعين لدى سوليا.

إن اكتساب هذه المهارات مهم للكثير من الطلاب في سوليا.  قالت كاميليا محجوب، شابة في جامعة لبنان الدولية “الأهم من ذلك، أنني احترمت الآخرين، وحظيت باحترام متبادل من قبل الآخرين، مهما كانت حساسية القضية التي نناقشها،”.

تأتي معظم شراكات سوليا من خلال إدارات أكاديمية فردية ومن خلال أساتذة. ومع ذلك، فإن التحديات، بما في ذلك فرض البيروقراطية وضعف البنية التحتية، كثيرة.

رحبت بعض الجامعات الحكومية، مثل الجامعة الأردنية، بالفكرة.

ولكن في مصر، البلد الأكثر اكتظاظا بالسكان في العالم العربي، تشكك الحكومة في الاتصالات والتعاون الخارجي. وجدت عيد، التي شاركت مع سوليا خارج الجامعة، أن الحصول على موافقة من الأزهر، للعمل مع برنامج  كونكت لسوليا كان “من المستحيل تقريباً”. إذ تعد حقيقة كون المنظمة نشأت في الولايات المتحدة حاجز لا يمكن تخطيه، على الرغم من حقيقة أن سوليا مسجلة أيضا في مصر. وقالت عيد “كان هناك حاجة للكثير من الموافقات من جهاز الأمن الجامعي والتي تجعل التنفيذ رسمياً أمراً صعباً للغاية” .

واجه مدني رفضاً مبدئياً عندما حاول بدء سوليا في المنوفية، والتي لديها 70.000 طالب وطالبة. والآن، سمح له رسمياً باستخدام برامج التبادل الافتراضية كجزء من المنهاج. ولكنه يعاني من ” الفجوة الرقمية “.

 “في البداية اخترنا الطلاب على أساس قدرتهم للوصول إلى الإنترنت ذات السرعة العالية كما هو مطلوب لهذا النوع من الدورات.” يتكدس نحو 2.5 مليون طالب وطالبة في مصر في 27 جامعة حكومية والتي عادة ماتفتقر إلى التجهيز من الناحية التكنولوجية. في نهاية المطاف، تمكن مدني من الحصول على التمويل من وزارة الاتصالات السلكية واللاسلكية وسوليا ومؤسسة فورد لإنشاء مختبر الكمبيوتر الذي يمكن أن يستوعب حوالي 30 طالبا في الفصل الدراسي. ولكن هذا لا يزال لا يكفي لجعل برامج مماثلة متوفرة لكامل قسم اللغة الإنجليزية ، والذي يضم 290 طالب وطالبة.

في بعض الحالات ، لا يمكن التغلب على الحواجز. فكما قالت الببلاوي “في أفغانستان لا يمكننا ببساطة تشغيل البرنامج على نحو ملائم. إنه يتطلب قيام البلاد بإصلاح إمكانية الوصول إلى الإنترنت عالي السرعة “.

شعرت كاميليا وكأنها شخص أخر بعد دورة سوليا. لكنها تعتقد أن فصل دراسي لمدة ثمانية أسابيع كان مجرد البداية. وقالت إنها تخطط للحفاظ على الصداقات التي بدأتها خلال البرنامج. وبالمثل فإن عيد سجلت ضمن برنامج سوليا للميسيرين.

تقول كل من عيد وكاميليا إنهما تعرضتا لتحولات شخصية كبيرة. وتذهب عيد في افتراض أنها ستكون في موقف دفاعي, وقالت ” لكوني طالبة أزهر شعرت وكأن هذه التفاعلات مع غير المسلمين من الخارج تعني دائما أنني في حالة دفاع عن إيماني.عوضاً عن ذلك وجدت نفسي أتناقش مع شركاء مثيرين للاهتمام” . يجمع معظم الطلاب أن توقعاتهم من برنامج سوليا، سواء عن أنفسهم وعن أقرانهم تختلف على نطاق واسع عن ما تؤول إليه تجربتهم.

إذا استمر انتشار برامج التبادل الافتراضي بين الثقافات الأخرى، قد يكون التأثير أكثر عمقاً. يمكن أن تكون علامة مميزة للجيل الحالي من الطلاب الذي لديه بالفعل اتجاه لتجربة الكثير من حياتهم على الانترنت. وحول انعكاس تجربة سوليا عليها تكتب كاميليا ” الطريقة الوحيدة لمعرفة قوة هذا البرنامج هي التجربة. العديد من الأصوات من مختلف البلدان تشارك راجية أن تجد من يستمع إليها لكسر الصور النمطية والتعبير عن الواقع ” .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى