أخبار وتقارير

فهم “الثقافة المحلية” شرط لعمل علماء الاجتماع في قطر

استثمرت دولة قطر بكثافة في العلوم الاجتماعية في السنوات الأخيرة في محاولة لبناء قاعدة من الباحثين المحليين وجذب الأكاديميين الأجانب الراغبين بمتابعة الأبحاث الممولة جيداً في الإمارة الخليجية.

إلا أن الباحثين الغربيين اكتشفوا أن إجراء البحوث بنجاح في قطر يعني العمل وفقاً لمعايير المجتمع القطري، الأمر الذي دفع الكثيرين إلى إعادة التفكير في ممارسات إجراء البحوث والتي كانت تعد أمراً مفروغاً منه.

ففي استطلاعات الرأي العام في قطر، ليس من المسموح انتقاد الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بشكل علني. كما أن المواطنين والمقيمين الأجانب يترددون في التعبير عن آرائهم حول الحكومة.

تقول جوسلين سيج ميتشل، أستاذة العلوم السياسية في جامعة نورث وسترن في قطر، ” إذا طلبت من أحدهم هنا في قطر أن يقيم أداء الأمير من 1-10 درجات فإنك لن تحصل على إجابة غير صادقة فقط، بل ولكنك قد تتسبب بإخافته أيضاً”. فبحسب ميتشل ” سيفترضون مثلاً أنك تتجسس عليهم أو تعمل لصالح الحكومة كمخبر، ذلك أن ممثلو الحكومة هم فقط من يمكنهم طرح أسئلة مباشرة ومثيرة للجدل على هذا النحو”.

نتيجة لذلك، تحتاج ميتشل إلى إعادة صياغة بعض الأسئلة الخاصة باستطلاع الرأي العام في قطر لعام 2013 حول القضايا الاقتصادية، والثقافية، والسياسية، والممول من الصندوق القطري للبحث العلمي. فعلى الرغم من خيبة الأمل التي أصابتها وزملاءها إزاء عدم تمكنهم من الاستفسار عن بعض المواضيع الهامة مباشرة، إلا أنهم أدركوا أن البديل ربما يكون عدم الحصول على أي ردود على الإطلاق. تقول ميتشل “أحيانا عليك أن تعطي قليلاً لتحصل على الكثير”.

لبناء اقتصاد قائم على المعرفة، استثمرت قطر في بحوث العلوم الاجتماعية من خلال الصندوق القطري للبحث العلمي ومعهد البحوث المسحية الاجتماعية والاقتصادية بجامعة قطر. حيث تحاول المؤسستان أيضا بناء ثقافة البحث العلمي.

يقول عبد الستار الطائي، المدير التنفيذي للصندوق “ليس لدينا الحد الأدنى اللازم لإجراء البحوث في قطر. ليس لدينا الكثير من أعضاء هيئة التدريس أو الباحثين”.

يشجع صندوق المشاريع البحثية التي تعكس أهداف قطر الوطنية كالتنمية الاقتصادية، وتمكين المرأة، والصحة والاستدامة البيئية.

يقول الطائي إنه يتوجب على الباحثين الإلمام بتقاليد البلاد عند تصميم الدراسات الاستقصائية لتحقيق النجاح. وإلا فإن المقيمين والمواطنين لن يجيبوا على الأسئلة وبالتالي لن تقدم المسوح نتائج ذات مغزى.و يقول  “إن فهم المجتمع شرط أساسي لتقديم مقترح”. مضيفاً أنه “من الصعب على الأشخاص من خارج ثقافة البلاد تقديم أي مقترح للعمل هنا، إذ يتوجب توفر نسبة نجاح لمقترحهم”.

يحتاج الباحثون العاملون من الخارج إلى تلبية ثلاثة معايير للتقدم بطلب المنحة الرئيسية للمنظمة، وهي منحة برنامج بحوث الأولويات الوطنية، التي تمنح جوائز تصل إلى 900.000 ألف دولار أمريكي للمشروع الممتد على ثلاث سنوات. إذ يحتاجون إلى الشراكة مع مؤسسة قطرية، وإنفاق ما لا يقل عن 65 في المئة من الميزانية السنوية للمشروع داخل قط،ر كما ينبغي إجراء ما لا يقل عن 50 في المئة من الجهود البحثية داخل البلاد.

وبحسب الطائي، فقد شاركت ما يقرب من 400 مؤسسة من 49 بلداً في مشاريع من خلال الصندوق.

أسفرت حملة الحكومة لتحسين البحوث الأكاديمية عن مجموعة نتائج، فالشراكة بين جامعة قطر ومعهد البحوث المسحية الاجتماعية والاقتصادية بجامعة ميتشيغان، على سبيل المثال أنتجت مجموعة هامة من المؤشرات عن المجتمع القطري. حيث أظهر مسح المعهد لعام 2012 عن الحياة في قطر أن عدد النساء القطريات اللواتي يدرسن في الجامعات القطرية أكبر من عدد الرجال، ومع ذلك فإنهن يشكلن 36 في المئة فقط من القوى العاملة، مما يثير تساؤلات عديدة حول أدوار الجنسين في الاقتصاد في المستقبل. كما كشفت الدراسة أيضاً عن دور النساء الكبير في صنع القرار داخل المنزل، حيث يعتقد غالبية القطريين أنه ينبغي إتاحة الفرصة للمرأة للحصول على مكانة اجتماعية مساوية للرجل.

قد يواجه علماء الاجتماع الأجانب الذين يجرون البحوث في قطر بعض الحساسيات والقيود الثقافية على أرض الواقع، إلا أنها تفيدهم في نهاية المطاف لأنهم يتجنبون الانزلاق في بحوث لا جدوى من محتواها بحسب ما تقول سوزان دان، المحاضرة في مجال الاتصالات في جامعة نورث وسترن في قطر. بالنسبة لدان، فإن الباحثين في بلادها لا يفكرون إطلاقاً بأية محاذير لكونها غير موجودة أصلاً في ثقافتهم.

تقول دان ” عند إجراء البحوث، يكون التخلص من الأسئلة التي تبدو هجومية أو إشكالية شيء شائع ، لأنه إذا لم يكن الناس مرتاحون للإجابة على السؤال، يمكنك أن تفقد التفاعل كله، مما سيؤثر على البيانات التي تجمعها”. وتضيف بأنها تخلصت من مجموعة أسئلة لمسوحات  أجرتها في قطر” كنت قلقة من كونها هجومية، ولكني فعلت ذلك أيضاً في الولايات المتحدة.”

في عام 2012 حصلت دان على جائزة منحة الصندوق القومي للبحوث لدراسة المرأة والنشاط البدني للفتيات ومشاركتهن الرياضية في قطر. عملت دان – بحسب قولها- بعناية مع الطلاب الباحثين للتأكد من خلو أسئلة الاستطلاع من أي إهانة أو استفزاز.

رغبت دان بطرح سؤالاً للسيدات عن أي من الوالدين كان أكثر تشجيعاً لهم على ممارسة الرياضة. إلا أن طلابها حذروها من أن السؤال قد يجعل المشاركات يشعرن وكأنهن ينتقدن أحد ذويهن سواء كان الأم أو الأب وهو أمر مرفوض في الثقافة القطرية. ولخوفها من عدم الحصول على بيانات دقيقة، أعادت دان صياغة السؤال ليصبح أكثر عمومية عن دعم الأسر بشكل عام لأهدافهن الرياضية.

لم تشعر كل من دان وميتشل أن الحكومة القطرية تفرض رقابة على عملهم. تقول ميتشل إن معهد البحوث المسحية الاجتماعية والاقتصادية اقترح تغيير بعض أسئلة الاستطلاع الذي تجريه لتتمكن من الحصول على ردود كافية. بالنسبة لها، كان معهد البحوث شريكاً وليس رقيباً. تقول “أعتقد أنه ينبغي النظر لمعهد البحوث الاقتصادية والاجتماعية والمسح كشريك محلي مطلع يحاول الحصول على أكبر قدر ممكن من العلوم الاجتماعية ‘الحقيقة’ داخل الحدود الثقافية والسياسية للمجتمع القطري”.

لم تتردد دان في التعاون مع الباحثين في المعهد، إذ تقدمت مجدداً بطلب للحصول على منحة الصندوق للتوسع في عملها مع النساء. تقول “إن الباحثين في المعهد هم جزء من هذه الثقافة، فما نسميه نحن رقابة ذاتية بالنسبة لهم يسمونه معرفة ثقافية”.

إلا أن العقبات لا تتعلق دائما بالصندوق، أو المعهد أو الهيئات الحكومية الأخرى.

يقول الباحثون أنه يتوجب على الباحثين الغربيون الأخذ بعين الاعتبار التحديات المنهجية عند إجراء الدراسات المسحية في دولة قطر. إذ ينبغي على شركات البحوث الأخذ بعين الإعتبار وجود ممثلين من الجنسين لإجراء البحوث حيث أن المرأة القطرية في كثير من الأحيان لا تتكلم مع الرجال الغرباء. كما قد ترفض العينة القطرية مشاركة آرائها في استطلاعات الرأي مع غير القطريين أيضاً.

ورغم حرصهم إلا أنا الباحثين ما زالوا يواجهون صعوبة في التواصل مع السكان المحليين. فمجرد إجراء الاستطلاع هو حدث جديد بحد ذاته بالنسبة للكثيرين في قطر.

تقول دان ” بشكل عام فإن فكرة المشاركة في البحوث سواء كان السكان قطريين أو غير قطريين، ليست جزءاً من العقلية السائدة.” بالنسبة لها  فإنه ” ليس من الغريب أن تتلقى اتصالاً هاتفياً في الولايات المتحدة يطلب منك المشاركة في إستطلاع للرأي. قد تقبل أو ترفض، ولكنك لا تستهجن ذلك. ولكن هنا ما زال الأمر في إطار النمو”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى