رأي

كيف يمكن قياس نجاح التعليم؟

في البلدان العربية، كما في باقي أنحاء العالم، وقبل أي محاولة لقياس مستوى نجاح التعليم يجب أن نقرر تحديدًا ما الذي نريد قياسه. هل هي معدلات التخرج؟ أم رضا الطلاب؟ أم التفوق في بعض المجالات؟ هل هي معدلات التوظيف بعد التخرج؟ أم معدلات الدخل المستقبلية؟ أو ربما عوامل أخرى غير ملموسة مثل التفكير النقدي ومهارات الاتصال.

منذ عام 1983، عندما نشرت المجلة الأمريكية يو إس نيوز أند ورلد ريبورت U.S. News and World Report قائمة بأفضل الكليات الأمريكية، هوجمت فكرة تحديد النجاح في قطاع التعليم العالي من خلال مجموعة من العوامل القياسية، وكان ذلك غالبًا من قبل المؤسسات غير الراضية عن مركزها في التصنيف. وفي المدارس، يوجد أيضًا جدل عالمي حول إمكانية قياس نجاح المدارس من خلال أداء الطلاب في الاختبارات الموحدة بما في ذلك الاختبارات التي تحدد القبول في الكليات.

وعلى الرغم من وجود مجموعة من أقدم الجامعات في العالم داخل العالم العربي، فإن هذه الجامعات لا تحقق مستويات عالية في التصنيفات الغربية، والتي غالبًا ما تحتل أعلى مستوياتها الجامعات الأمريكية والبريطانية الكبيرة الثرية والتي تركز بصفة خاصة على الأبحاث، وذلك إلى جانب مجموعة صغيرة من الكليات من أوروبا وشرق آسيا. أما في تصنيفات مجلة تايمز هاير إديوكيشن Times Higher Education ، بالكاد وصلت أعلى المؤسسات العربية مثل جامعتي الملك سعود والملك عبد العزيز إلى أفضل 400 جامعة. أما بالنسبة لتصنيفات كيو إس QS لجامعات العالم، جاءت أفضل كلية عربية وهي جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في المستوى 216 بالنسبة للجامعات الأخرى على مستوى العالم.

ومع ذلك وكما عُرف في تصنيفات مجلة تايمز هاير إديوكيشن في عام 2011، أنه حتى القياسات الموضوعية يمكن التلاعب فيها. فقد اكتُشف أن المستوى العالي الذي حققته جامعة الإسكندرية في ذلك العام (المركز 147 أعلى من جورج تاون بأربعة مستويات) يرجع إلى نشر محمد الناستشي أستاذ في الرياضيات في هذه الجامعة المصرية أكثر من 320 مقالاً في مجلة علمية مغمورة هو أيضًا محررها. فبسبب الطريقة التي قاست بها تايمز هاير تأثير الأبحاث على مستوى الجامعات، احتلت جامعة الإسكندرية المستوى الرابع على مستوى العالم في هذا المجال متقدمة على جامعتي هارفارد وستانفورد. 

وتحذر إلين هازلكورن، مؤلفة تصنيف وإعادة هيكلة التعليم العالي، من أن تحديد مستوى الجودة من خلال العوامل القياسية، سيتيح للجامعات الثرية صرف المال في تعيين أكاديميين غير مناسبين لمنصبهم الجامعي، حيث يُرجع الكثير الصعود السريع في مستوى تصنيف الجامعات السعودية تحديدًا لهذه الاستراتيجية.

قالت الدكتورة هازلكورن، وهي أيضًا مديرة قسم سياسات التعليم العالي في معهد دبلن للتكنولوجيا في أيرلندا في مقابلة أجريت معها ” أنا أتفهم جيدًا صعوبة بناء اقتصاد ما بعد النفط في القرن الحادي والعشرين (والمجتمع) في وسط منطقة شديدة التعقيد من الناحية الاجتماعية والثقافية والسياسية.” ولكنها أضافت “أنا أحذر من استخدام المؤشرات المطبقة في باقي المناطق في العالم بدون وعي لتأثير ذلك. فكل الأشياء التي تخضع للقياس ينبغي أن تعكس قيم المجتمع وأهدافه؛ حيث سيمثل أي شيء آخر تنازلاً عن السيادة القومية.”

قالت الدكتورة هازلكورن “لقد استخدمت الكثير من المجتمعات الناشئة تصنيفات البلدان الأخرى. وتعد مقدونيا خير مثال على ذلك، باستخدامها لتصنيفات شنغهاي بدون إدراك أن التركيز الضيق على النشاطات الأكاديمية التقليدية (قياس حجم المطبوعات والاستشهاد المرجعي) يمكن أن يقلل من القيمة الحقيقية لتأثير الأبحاث على المجتمع والاقتصاد.”

بدوره، يرى كونيل مونت، مساعد نائب رئيس جامعة الأخوين للشئون الأكاديمية في المغرب، أن التصنيفات يمكن في بعض الأحيان أن تكون أداة فعالة لقياس النجاح، حيث قال “الأهم هو نوع القياسات المستخدمة في نظام التصنيف. بالنسبة للقارة الإفريقية أو شمال إفريقيا ومنطقة المتوسط، يمكن قياس نجاح أية جامعة من خلال معايير مختلفة عن المؤسسات الأمريكية أو الآسيوية أو الأوروبية، حيث يمكن قياس مدى نجاح المؤسسات الإفريقية من خلال حجم مساهمتها في التنمية على المستويات المحلية والإقليمية والوطنية، من خلال الإجابة على أسئلة مثل هل يحصل الخريجون على فرص عمل؟ هل يساهمون في تطور الصناعات المحلية أو الزراعة؟

ولطالما قال الأكاديميون في العالم النامي إن التعليم يجب أن يُقيم من خلال تأثيره على الأمة بشكل عام. وقد يعني ذلك في مجال الإنسانيات تعزيز الإحساس بالتماسك من خلال الفخر والاعتزاز بتاريخ الدولة وثقافتها. ولكن الاهتمام بالاحتياجات المحلية يمكن أيضًا أن يضيف مفاهيم جديدة في مجال العلوم. وقال مونت “قد لا تتنافس الجامعات الإفريقية على المستوى الدولي فيما يتعلق بالأبحاث العلمية المتقدمة، ولكنها ستجري الأبحاث وتقود التنمية التي ستؤثر إيجابيًا وبشكل ملموس على دولها وقارتها، مثل إدارة الموارد بشكل مستدام أو تنمية الموارد البشرية الوطنية.”

وبصرف النظر عن طريقة قياس مستوى النجاح في التعليم – سواءً من خلال التصنيفات أو التأثير الاقتصادي أو المسوحات المتعلقة برضا الخريجين أو ببساطة خلق مواطنين سعداء منتجين ومثقفين- لا يمكن إجراء أي تقييم بدون بيانات.

في الولايات المتحدة الأمريكية بصفة خاصة، شهدت السنوات الخمسة عشرة الأخيرة حوارًا دائرًا حول “المساءلة” باستخدام بيانات لمحاسبة المدارس والجامعات على أدائها فيما يتعلق بتعليم الطلاب. ومن ثم جعلت التشريعات الاختبارات عالية المخاطر والبيانات الناتجة عنها محورًا أساسيًا في حياة الكثير من الطلاب والمدرسين والأساتذة.

وعلى مستوى المدارس، كان تمرير قانون “عدم السماح بتخلف أي طفل” في عام 2001 سببًا في سلسلة من المتطلبات المتزايدة، والتي قال مؤيدوها أنها تهدف إلى التأكد من حسن أداء بعض المدارس بينما قال آخرون أنها تضعف المدارس العامة. فلقد طُلب من المدارس اختبار الطلاب سنويًا في القراءة والرياضيات في السنوات الأولى من تعليمهم، وفي العلوم ثلاث مرات طوال سنواتهم الدراسية. وكان على المدارس إصدار “شهادات” عامة عن مدى تقدمها، وكان على المدارس الأخرى التي ثبت ضعف أدائها أن توفر دروسًا خاصة، وخدمات أخرى لدعم الطلاب.

كما دار أيضًا جدال في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول حول قدرة المدارس على قياس المزيد من المهارات بشكل فعال، مثل التفكير النقدي أو جودة الكتابة. والجدير بالذكر أن الاختبار التقليدي المستخدم في قياس الاستعداد لدخول الجامعات، سات SAT، أضاف مقالاً إلزاميًا يُقدم خلال جدول زمني محدد في عام 2005 ولكنه أُسقط هذا العام.

بالنسبة للتعليم العالي، كانت الولايات المتحدة الأمريكية واحدة من الأماكن التي احتدم فيها النقاش حول المساءلة. في عام 2006، طالبت المجموعة الاستشارية المُعينة من قبل الحكومة والمعروفة باسم لجنة سبلينجز باستحداث قاعدة بيانات وطنية تحوي معلومات حول الجامعات – ومما خيب أمل كارهي الشعارات – روجت عبارة “مخرجات التعليم” وهي تعنى بالنتائج الملموسة للتعليم الجامعي. وعلى الرغم من تطوير قاعدة بيانات وطنية، فإنها لا تشمل قياسات “مخرجات التعليم” أو تصنيف الطلاب للجامعات، على النحو الذي كانت لجنة سبلينجز تأمله. ولكن الكثير من الجامعات، خوفًا من احتمال فرض الحكومة الفيدرالية لاختبارات لقياس مخرجات التعليم، بدأت في قياس مدى النجاح الذي تحققه مع طلابها.

انخفض اهتمام البلدان الأخرى مثل كندا وفنلندا بالاختبارات عالية المخاطر على الرغم من كون طلابها يحققون نتائج جيدة في الاختبارات التي تُجرى على المستوى العالمي. (يمكن الاطلاع على مقال في هذا السياق بعنوان الدروس المستفادة من تجربة فنلندا: حوار مع باسي سهلبرج).

بالنسبة للعالم العربي، لا يعتبر الانفتاح – مع أهميته في تحسين جودة التعليم – سوى جزء من الإجابة على هذه الإشكالية. ففي البداية، يجب أن تجرى مناقشات أوسع حول ما يتوقعه كل مجتمع من التعليم ومن خريجي الجامعات. فقبل أن يمكن للمداس والجامعات العربية قياس النجاح، عليها أن تقرر بالتحديد ما الذي تريد قياسه وأن تتقبل عدم إمكانية قياس كل ما يساهم في إنجاح التعليم.

مصادر المعلومات ذات الصلة بالمقال:

مقال بعنوان “البحث عن ضوابط جودة عالمية للجامعات” نُشر لأول مرة في المجلة الأمريكية Chronicle of Higher Education وأعيد نشره في مجلة الفنار ميديا. يناقش المقال إمكانية وضع مجموعة محددة من المعايير لتحديد جودة التعليم العالي.

مقال بعنوان “دور هام للبيانات في التعليم العالي العربي” يناقش محاولة إحدى جمعيات التعليم العالي خلق ثقافة جمع البيانات في الجامعات العربية.

* تمت كتابة المقال بدعم من قبل صندوق الأمم المتحدة للديمقراطية في إطار التحضير لعقد سلسلة من ورش العمل لتشجيع الصحافيين العرب للكتابة عن التعليم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى