رأي

برلين وفلسطين: القريبتان البعيدتان

ها قد انتهى فصلي الدراسي نصف السنوي، وشارفت مغامرتي على الإنتهاء. إنّه وقت العودة إلى الوطن من جديد.

لا يمكنني تصديق ذلك.

لم يتبقّ لي سوى أيّام قليلة للإستمتاع في برلين بعد أسبوعين مكثّفين من الدراسة. تحتّم عليّ خوض الإمتحان، وكتابة ثلاث مقالات والإعداد لإلقاء محاضرة.

كان الإمتحان عن موضوع “برلين: تجربة في الحداثة”، والذي يقتفي أثر نهوض المدينة من عصر بسمارك وحتّى يومنا هذا، بما في ذلك تاريخ فنّها وفنّانيها. انتابني القلق بشأن نسيان الأسماء والتواريخ الخاصّة بالإمتحان. لكنّني سعيدة الآن لأنّني تعرّفت على قصص النويه فاخه “بيت الحرس الجديد”، والكنيسة التذكاريّة، ومبنى الرايخشتاغ، وحتى الفيغنزيتوغم Fernsehturm، أو برج برلين الإذاعي.

فتح موضوع “مدخل في الأفلام” أعيننا على أشياء جديدة أيضاً، فقد تعلّمنا الكثير عن أنواع الأفلام المختلفة، وتقنيّات الكاميرا، والمونتاج، ونظريّات نقد الأفلام لكلٍ من فالتر بنجامين، وسيغفريد كراكاور، وإروين بانوفسكي، وآخرين. لقد ألهمني ذلك كثيراً. أنا أفكّر بالكاميرا وتقنيّات المونتاج لمشروع تخرّجي.

كان درسنا الثالث عن التمثيل، وكانت المرّة الأولى بالنسبة لي على خشبة المسرح. فعلى الرغم من أنّ القدس بارد تقدّم دروساً في التمثيل، إلاّ إنّني لم أفكّر في الإنضمام لها من قبل. لم أعتقد بأنّ في إمكاني أن أمثّل. لكن في برلين، قرّرت أن أجرّب أشياء لم أجرّبها من قبل. مثّلت في ثلاث مشاهد مختلفة من مسرحيّتي “الأم شجاعة وأولادها” و”الشخص الطيّب من سيشوان” لبريخت. انتقلت من كوني لا أعرف شيئاً عن الدراما إلى شخصٍ يعرف الكثير في غضون فترة قصيرة من الزمن.

كما تضمّن أحد الدروس دورة تدريبيّة تلقيّنا فيها خلفيّة معرفيّة عن ثقافة برلين، ووظائفها، وسوق الإيجار، والهجرة. وقد منحني هذا الدرس فرصة رائعة للعمل مع شبكة المراسلون في الخارج Associated Reporters Abroad، أو ARA، وهي شبكة صحفيّة تزوّد الأخبار باللغة الإنكليزيّة للناشرين حول العالم. كانت تجربتي هناك مكثّفة وثريّة بالمعلومات. فكتبت قصصاً عن القضايا السياسيّة في فلسطين. وعملت على حدة مع صحافيّين محترفين من بلدانٍ عديدة.

على الرغم من ثراء تجربتي في برلين، فإنّني أفتقد فلسطين. أفتقد أسرتي وأصدقائي، مخيّمي وكليّتي.

خلال فصلي الدراسي خارج الوطن، كانت فلسطين في ذاكرتي على الدوام. فذكّرني بعضٌ من أحداث برلين التاريخيّة بوطني.

ذكّرني النصب التذكاري لجدار برلين بجدار الفصل العنصري القائم في فلسطين والذي يقسّم مدينة القدس. عندما رأيت بقايا جدار برلين، غمرني تفاؤلٌ شديد. فبدأتُ أتخيّل الوقت الذي سيهدم فيه الجدار في فلسطين، وكيف أنّنا سنحتفظ بجزءٍ منه كنصبٍ تذكاري بالتأكيد. كما ذكّرني الإنقسام بين ألمانيا الشرقيّة والغربيّة أيضاً بالصدع القائم حاليّا بين الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، والأيديولوجيّأت المختلفة لحركتي فتح وحماس. كما ذكّرتني نقطة التفتيش تشارلي بالمعابر التي أجتازها في طريقي إلى الجامعة. لكنّني تساءلت عن عدد نقاط التفتيش التذكاريّة الشبيهة بتشارلي التي  نحتاج إليها لتذكّرنا بالمعابر في فلسطين عندما يتمّ هدمها.

إنّ السبب الوحيد الذي سأعيش فيه بعيداً عن فلسطين وأسرتي هو من أجل كسب معرفة، وخبرات، ومهارات جديدة من أجل تطوير فلسطين. عندما أفكّر في البؤس والحروب التي تحمّلتها برلين، وكيف أنّها تجاوزت كل تلك التحدّيات لتصبح واحدة من أعظم مدن العالم، أشعر بالتفاؤل. إنّ ذلك يؤكّد أن لا شيء مستحيل.

أنا عائدة إلى فلسطين مع درسين مهمّين.

في برلين، تعلّمت أهميّة الوقت. في دقيقة واحدة، قد يفوّت المرء القطار، وعليه الإنتظار لعشر دقائق أخرى قبل مجيء القطار الآخر. ويمكن للمرء أن يتعلّم الكثير في فصلٍ دراسيٍّ واحد. لكنّ الفصل الدراسي الواحد يمكن أن يمضي في غمضة عين. علينا أن نهتم لكلّ ثانية تمرّ في حياتنا. علينا أن نحترم الوقت ونستفيد منه. لا يمكننا أن نضيّع الوقت. علينا أن نستخدمه بحكمة. أفكّر في وجوب تسجيل الأطفال الفلسطينيّين في مخيّمات صيفيّة تثقيفيّة، على سبيل المثال، بحيث لا يضيّعون فيها أوقات عطلتهم الصيفيّة.

والدرس الثاني هو الوقوف في طوابير. ففي برلين يقف الناس في صفوف منتظمة. يتوجّب علينا التصرّف بشكلٍ مماثل في فلسطين. علينا أن نقف في طوابير بطريقة تحترم حقوق أولئك الذين جاؤوا قبلنا. إنّ عدم فعل ذلك يعكس الفوضى التي يتوجّب علينا التخلّص منها.

قد يبدو هذين الأمرين بسيطين. لكنّني أعتقد بأنّهما مهمّين من أجل مجتمع منظّم بشكلٍ جيّد.

يجب تحقيق هذه التغيّيرات على أرض الواقع بشكل فردي. كل شخص يجب أن يبدأ بنفسه. فإذا ما حاول كل شخص إحترام وقت الآخر، واستغلّ وقته بشكلٍ جيّد، وإحترم حقوق الآخرين، فإنّ الأمور ستتغيّر نحو الأفضل.

لقد علّمتني الخلفيّة التاريخيّة لبرلين، وتطوّرها، وأسلوب حياتها المعاصر بأنّ كل ما تحتاجه فلسطين هو الطموح، والإصرار، والمهارات من أجل البدء بالتغيّير. بإمكاننا تغيّير كل شخص أو كلّ شيء. إبدأ بنفسك. لأنّ القيم التي ستمثّلها ستنتشر بين أفراد أسرتك، وأصدقائك، وزملائك، ومن ثمّ إلى المجتمع بأسره.

Countries

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى