رأي

المهندسون والجهاديون: إرتباط مثير للجدل

درس نجم العاشوري، أحد المفجرين الذين نفذوا الهجوم على مطار بروكسل في الثاني والعشرين من آذار/ مارس، الهندسة الكهربائية. كما أن عدداً ملحوظاً من الجهاديين البارزين كانوا من المهندسين، منهم: عبد السبحان قريشي، المطلوب على خلفية صلته بالهجوم على قطارات مومباي عام 2006، وعمر فاروق عبد المطلب، الشاب النيجيري الذي حاول في عام 2009 تفجير عبوة ناسفة مخبأة في بنطاله على متن رحلة جوية متجهة من أمستردام إلى ديترويت، وفيصل شاهزاد، الرجل الباكستاني الذي ترك سيارة دفع رباعي محملة بالمتفجرات بالقرب من تايمز سكوير في مانهاتن في شهر أيار/ مايو من عام 2010، وغيرهم الكثير.

في كتابهما الجديد “مهندسو الجهاد: الإرتباط الغريب بين التطرف والتعليم” (الصادر عن مطبعة جامعة بيرنستون)، درس دييغو غامبيتا وستيفن هيرتوغ ما أسمياه “لغز المهندسين”: وما هو سبب تواجد طلاب هذا المجال التقني العلماني وبشكل متكرر بين صفوف المتطرفين الإسلاميين؟

تركز عمل غامبيتا وهيرتوغ على عينة من 497 مقاتلاً إسلامياً على إمتداد ثلاث قارات وثلاثة عقود من الزمن. كما يركز العمل على الجماعات السرية الصغيرة التي تعمل سراً داخل مجتمعات أكبر لإرتكاب أعمال العنف السياسي – بدلاً من التركيز على جماعات من قبيل حركة طالبان في أفغانستان، أو الشباب في الصومال، أو تنظيم داعش، والتي تسيطر على أراض كبيرة وقد تجتذب مجنديها بإستخدام وسائل مختلفة ولأسباب مختلفة للغاية.

وكان أول إكتشاف للمؤلفين هو أن خريجي الجامعات ممثلون بشكل مرتفع بين الجماعات الجهادية عموماً. وأثبتت دراستهما، بحسب ما يقول المؤلفان بأن “جوهر الحركة الإسلامية قد برز من بين من يفترض أن يكونوا من النخبة، وليس في أوساط الفقراء والمحرومين.” وعليه، ينبغي أن تكون الأنظمة في الشرق الأوسط قد أدركت الآن بأن “تعزيز التعليم العالي لا يعزز الإذعان الإجتماعي”، بحسب ما يقول الكاتبان.

لكن ومن بين هؤلاء الجهاديين المتعلمين، تبرز شهادة واحدة بوضوح: الهندسة. فالمهندسون أكثر عرضة لأن يتواجدوا بين صفوف المتشددين الإسلاميين بأربعة عشر مرة مما عليه الحال في عامة الناس، كما إنهم أكثر عرضة لأن يكونوا جزءاً من مجموعة مسلحة بأربع مرات من خريجي الشهادات الأخرى.

ما الذي يفسر هذه الأغلبية العددية للمهندسين؟ وضع الكاتبان في المقدمة نظريتين متداخلتين: الحرمان النسبي والإستعداد الأيديولوجي.

تقتضي نظرية الحرمان النسبي بأن الطموحات المحبطة تغذي التطرف. فقد كانت الهندسة واحدة من أكثر المجالات الدراسية المرموقة والتنافسية في الدول العربية في فترة ما بعد الإستعمار – وقد استمرت كشهادة رائجة في المنطقة اليوم. لكن إقتصادات العديد من الدول العربية، مثل مصر، تقلصت في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. فقد إرتفعت نسب البطالة وتوقف الحراك الإجتماعي. فوجد المهندسون، الذين توقعوا أن يكونوا جزءاً من “الطليعة التكنولوجية” في بلادهم، أنفسهم “زوائد عاطلة عن العمل للإدارات العامة المتضخمة”، بحسب غامبيتا وهيرتوغ. عندئذ بدأ المهندسون فجأة بالظهور بأعداد بارزة في الجماعات الإسلامية المتطرفة. (في الجيل السابق، كان تمثيل معلمي المدارس مرتفعاً). إنضمت حفنة من الشباب الموهوبين والطموحين للجماعات المتطرفة جزئياً بسبب “الشعور بأنهم قد حرموا ظلماً من المكانة التي عملوا وعائلاتهم من أجل الحصول عليها بجد وتضحية، والمكانة التي عقدوا عليها آمالهم، وأكثر من ذلك، بسبب إنعدام وجود الفرص لإثبات قيمة المرء في تشكيل مستقبل البلاد – لاسيما وأن الفخر القومي الذي عملت أنظمة الشرق الأوسط الإستبدادية على حقنه بجرعات هائلة في أوساط خريجي النخبة قد إندثر نتيجة للفشل الإقتصادي.”

لكن المملكة العربية السعودية تمثل إستثناءاً ملحوظاً في هذا الصدد، فبسبب عائدات النفط الثابتة والطلب القوي على الشهادات التقنية في سوق العمل، لم يواجه المهندسون مشكلة فقدان المكانة ولم يكونوا أكثر عرضة من غيرهم من الخريجين للإنضمام إلى الجماعات المتطرفة.

وتقوم الحجة الثانية التي تقدم بها الكتاب لشرح “العلاقة الغريبة” بين دراسة الهندسة والإنضمام إلى جماعة جهادية ما على دراسة مقارنة للإنتماءات السياسية لأعضاء الجماعات اليسارية واليمينية المتطرفة في الغرب. حيث تظهر الدراسة إرتفاع تمثيل المهندسين في أوساط المتطرفين اليمينيين عموماً (في حين أن طلاب العلوم الإنسانية والإجتماعية أكثر وفرة بين صفوف المتشددين اليساريين).

يفترض المؤلفان بأن المتشددين الإسلاميين واليمينيين يشتركون في عدد من السمات الشخصية التي ثبت بأنها تترافق مع الإنتماءات السياسية المحافظة. ويشمل ذلك نزعة للشعور بالإشمئزاز، وتماهياً قوياً للإنتماء “للجماعة الداخلية” والعداء تجاه أولئك الذين لا ينتمون إليها، وعدم الشعور بالإرتياح للمناقشات الغامضة وذات النهايات المفتوحة (وهو ما يعرف في الأدب “بضرورة الإغلاق”). في أوساط الإسلاميين، يقول المؤلفان إن “النزوع للإشمئزاز يرتبط برد فعل قوي تجاه إستقبال فساد التقاليد والرغبة في النقاء الإجتماعي والجنسي. يرتبط الإنحياز للجماعة الداخلية بنفور واضح بالنسبة لأولئك المختلفين، سواء أكانوا من المهاجرين، أو الأعراق الأخرى، أو الكفار. فيما ترتبط الرغبة في الإنغلاق (NFC)، وهي أكثر هذه الصفات تعدداً، بالتفضيل القوي للتسلسل الهرمي والنظام الإجتماعي والنفور من التغيير، وهو ما يمكن أن يصل إلى أقصى حدود الحنين لماض أسطوري.”

وبسبب هذه الإنتماءات الكامنة، يفترض المؤلفان بأن بعض الأفراد قد يكونون “منجذبين لدراسة الهندسة كتخصص يوفر أجوبة محددة لا لبس فيها، وينفرون من المشاريع ذات النهايات المفتوحة للعلوم الطبيعية وغموض العلوم الإنسانية والإجتماعية.” وطلاب الهندسة “مثل أتباع الديانات المستندة إلى النصوص، يعتمدون بشكل أكبر على الإجابات الجاهزة المعطاة لهم.”

لا يزعم المؤلفان بأن دراسة الهندسة تخلق أو تعمق هذه الميول، بل على كونها سمات شخصية عميقة الجذور موجودة من قبل. قال هيرتوغ للفنار للإعلام “الإستنتاج الكبير هو أن الشخصية أمر هام”. ليس هنالك دليل على أن مجرد تقديم المزيد من العلوم الإنسانية والفنون الليبرالية في المناهج الدراسية في كليات الهندسة (فكرتي الأولى) من شأنها أن تخفف من ميول الجهاديين المحتملين تجاه التعنت. لكن ما تجدر الإشارة إليه بأن الصفات الشخصية التي يظهرها الجهاديون بشكل متطرف واسعة الإنتشار في الأيديولوجيا الإسلامية التي إجتاحت المنطقة، وأزعم بأنها كامنة في الكثير من الخطاب العام عموماً.

أزعج الكتاب المهندسين وهو رد فعل لم يجده هيرتوغ مستغرباً.

قال هيرتوغ “لقد توقعنا شيئاً من الجدل، خاصة وأن [عملنا] قد أسيء نقله من خلال عناوين من قبيل: يمتلك المهندسون عقلية جهادية. كان من السهل جداً أن تتوجه إلينا من دون قراءة الكتاب. وقد كان هنالك مهندسون منزعجون لأن الأمر أثر على كبريائهم المهني. وقد ظنوا بأن علماء الإجتماع يشعرون بالغيرة من العلماء الجادين ويحاولون توبيخهم بخبث. لكننا حصلنا أيضاً على بعض الردود من مهندسين يقولون بأنهم قد لاحظوا الصفات التي تمت مناقشتها في الكتاب في أنفسهم أو بين زملائهم.”

وبطبيعة الحال، كما يقول هيرتوغ فإن نتائج الكتاب لا تنطبق على الغالبية العظمى من المهندسين: فالمتطرفين الإسلاميين يشكلون “أقلية صغيرة جداً” من المهندسين. فقد إعتمدت الدراسة على معدلات من ضمن أعداد كبيرة. “وهذا لا يسمح لنا بخلق أي تنبوء حيال ما قد يبدو عليه أي فرد.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى