رأي

دراسة مسحية ترسم صورة بانورامية عن التعليم العالي العربي

تدور شكوى متكررة عن واقع التعليم العالي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حول كون البيانات المتوفرة لفهمه قليلة. وفي محاولة لتدارك ذلك، قمت بإدارة دراسة مسحية باللغتين الإنجليزية والفرنسية في جميع أنحاء المنطقة. وقد أعطتنا النتائج لقطة فوتوغرافية عن مشهد التعليم العالي في عموم المنطقة – وهو مشهد ذو ملامح مثيرة للإستغراب في بعض الأحيان.

فعلى الرغم من التوسع السريع في أنظمة التعليم العالي، فقد قالت غالبية المؤسسات التي شملها الاستطلاع إنهم يرصدون الآن نتائج التعلم – وإذا ما كان أداء الخريجين يختلف نتيجة دراستهم في مؤسسة ما. كما أن ما يقرب من نصف المؤسسات قالت أيضاً إن لديهم نظم معمول بها للتأكد من جودة التعليم.

حصلتُ على إذن من رابطة الجامعات الأوروبية لتبني مناهج مسح الإتجاهات الخاصة بهم في إجراء دراسة عن التعليم العالي وأشرفت على الدراسة في صيف عام 2015. وقد وردتنا ردود من رؤساء 30 مؤسسة تعمل في تسعة بلدان. جاءت ستين في المئة من الإجابات من بلاد الشام (العراق، ولبنان، وفلسطين)، و24 في المئة من المغرب العربي (الجزائر وتونس)، و16 في المئة من دول مجلس التعاون الخليجي (الإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عمان، والبحرين، والمملكة العربية السعودية).

من شأن مسح الإتجاهات أيضاً أن يعزز المعايير داخل وخارج المنطقة على حد سواء، حيث سيكون في إمكان المؤسسات إستخدام النتائج لغرض المقارنة.

أكدت الدراسة بأن التعليم العالي العربي قد توسع بشكل كبير في الآونة الأخيرة. إذ أن ستين في المئة من الجامعات التي شملها الاستطلاع نشأت بعد عام 1970 و40 في المئة منها منذ العام 1990. وشهدت ثلثي الجامعات زيادات في معدلات إلتحاق الطلاب في السنوات الخمس الماضية، وشهدت 42 في المئة منها زيادة بمقدار أكثر من 10 في المئة. وتتوقع معظم الجامعات أن يستمر تسجيل الطلاب في الإرتفاع بل إن لديهم استراتيجيات لجذب الطلاب المحليين والدوليين أيضاً. ويعني التوسع القوي في الماضي القريب وتوقعات إستمرار التوسع بأن على مديرين الجامعات وضع السياسات والموارد والبنى التحتية في مكان يؤهلها للتعامل مع هذا التوسع.

وشهدت العقود القليلة الماضية أيضاً إصلاحات وطنية للتعلم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقد أكدت الإصلاحات في الغالب على التعلم والتعليم، وضمان الجودة، وتنفيذ مخرجات التعلم. وكانت هذه الإصلاحات مماثلة تماماً لما كان يحدث في سياق الجامعات الأوروبية. وشملت التطورات الأخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والتي شكلت التعليم العالي تكنولوجيا الإتصالات، والأزمة الإقتصادية لعام 2008 وما بعدها، وتزايد التنافس في مجال التعليم العالي. لا تبدو التصنيفات ولا التدويل من الأمور التي تؤثر في جامعات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بقدر تأثيرها على الجامعات الأوروبية، على الرغم من إحتمالية أن تكون مثل تلك المواضيع قضية مهمة في بعض الدول العربية أو بعض الأقاليم الفرعية.

بدأت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إدراك أهمية التعليم. إذ تمتلك ثلثي المؤسسات وحدة لتطوير طرق التدريس. وتشمل الجهود المبذولة لتعزيز التعليم توفير التدريب الإختياري، وتطوير الحقائب التعليمية، وإجراء البحوث في مجال التدريس. وترافق هذه الأنشطة أيضاً تحسينات في البنى التحتية مثل الفصول الدراسية، وإدخال موارد تعليمية لتلبية حاجات أساليب التدريس المختلفة. وفي عدد لا بأس به من المؤسسات، يتم بذل هذه الجهود في بعض الأقسام فحسب وليس في عموم المؤسسة.

تتوقع معظم الجامعات أن يستمر تسجيل الطلاب في الإرتفاع بل إن لديهم إستراتيجيات لجذب الطلاب المحليين والدوليين أيضاً. (الصورة مأخوذة من موقع المجلس الثقافي البريطاني /الأردن).

وجدت الدراسة، وبشكل غير متوقع، بأن المؤسسات تقيّم وبشكل منتظم أعضاء هيئة التدريس، وتنظر في أدائهم المتعلق بكل من التدريس وإجراء البحوث وتدقق تقييمات الطلاب. وأفادت ثمانون في المئة من الجامعات بأنها تفحص نتائج التعلم لبعض أو كل مساقاتها الدراسية، والتي تغيّر بدورها من أساليب التدريس وتحسن جودة التعليم.

تواجه الجامعات المنافسة على الصعيدين العالمي والإقليمي من خلال تبني إستراتيجيات جذب الطلاب الجدد، ليوفروا بهذا الصدد الكثير للطلاب المحتملين – كالمشورة الأكاديمية، وأيام البيت المفتوح، وبرامج التوعية وغيرها. وبالمثل، يحصل الطلاب المسجلون في كثير من الأحيان على الدعم اللازم، والخدمات، والدورات أكثر مما كانوا يحصلون عليه في السابق.

تكتسب الإدارة المؤسساتية أهمية خاصة في مجال التعليم العالي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويشارك الطلاب في الإدارة في بعض الأحيان، في الغالب عن طريق العمل في لجان. ويتم سؤال الطلاب عن تجربتهم الجامعية وخططهم بعد التخرج.

ونظراً للتركيز الجديد على توظيف خريجي الجامعات، فإن بعض المؤسسات تقوم بتتبع الحالة التوظيفية لخريجيها، لاسيما أولئك الذين حصلوا مؤخراً على درجة البكالوريوس. في العادة، تقوم الجامعات بأخذ عينات فحسب من بعض الخريجين الذين تخرجوا من بعض الكليات. تقدم الجامعات توجيهاً مهنياً، وفترات تدريب، وفعاليات توظيف، وعروض لأرباب العمل لتحسين فرص توظيف خريجيها. مع ذلك، فإن بيانات تتبع الخريجين لا يتم إستخدامها في كثير من الأحيان لتحديث استراتيجية مؤسساتية أو تحسين جودة التعليم.

لا توفر سوى ربع المؤسسات التي شملتها الدراسة تعليماً عبر الإنترنت، على الرغم من أن العديد من المؤسسات تفكر في تقديم ذلك. ورأت بعض المؤسسات في التعليم الإلكتروني وسيلة لتحسين جودة التعليم، لكن مؤسسات أخرى قالت إنه سيكون أمراً جامداً ومكلفاً ومستنزفاً للوقت بشكل كبير. فيما كانت الإقتراحات التكنولوجية الأخرى الأكثر شيوعاً والتي ذكرتها الجامعات كالآتي: توفير إمكانية الوصول إلى أجهزة الكومبيوتر، والوصول إلى مكتبة عبر الإنترنت، وتوفير خدمة الواي فاي، وتوفير بوابة للطلاب، ووسائل التواصل الإجتماعي، وتوفير حسابات بريد إلكتروني مؤسساتية.

وتمتلك نحو ستين في المئة من المؤسسات استراتيجية تدويل، كجزء من استراتيجية أوسع نطاقاً في الغالب. وتتجه الاستراتيجيات الدولية بشكل رئيسي باتجاه آسيا، وأوروبا، ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ذاتها. واتخذت المؤسسات التدابير اللازمة لتعزيز التدويل من خلال برامج بكالوريوس يتم تدريسها باللغة الإنجليزية، والمشاركة في الشبكات الدولية، والشراكات الإستراتيجية مع المؤسسات الأجنبية. كما يتم تقديم تبادلات طلابية وتدريب دولي ولكن بوتيرة أقل. وذكرت المؤسسات العديد من التحديات التي تواجه التدويل الأكثر جوهرية، بما في ذلك القيود التشريعية، والقلق أزاء الحفاظ على جودة البرامج، واستدامة التمويل.

وتمتلك ما يقرُب من نصف المؤسسات سياسة ضمان جودة مؤسساتية متكاملة خاصة بها وتعمل في مكانها، في حين يمتلك البعض الآخر ذلك على مستوى الأقسام فحسب. ولا يزال نحو 20 في المئة من هذه المؤسسات مفتقراً لوجود نظام أو سياسة. فيما أجرت نصف المؤسسات تقييما إلزامياً أو غير إلزامي في السنوات الخمس الماضية.

وبوجود العولمة، ينال الإعتراف بالوحدات الدراسية أهمية كبرى. وتمتلك معظم الجامعات مبادئ توجيهية مؤسساتية للاعتماد، ويتم التعامل معها في الغالب من خلال مكتب مركزي. كما أن الأطر الوطنية للمؤهلات، وهو موضوع ناشئ آخر في التعليم العالي، غير متوفرة، على الرغم من أنها ستكون مفيدة لضمان جودة التعليم، وتعزيز الحراك الدولي، وتعزيز الشفافية وإمكانية المقارنة بين الشهادات المختلفة وعبر القطاعات المتنوعة.

تؤكد نتائج مسح الإتجاهات بأن المنطقة قد حققت تقدماً كبيراً في مجال تعزيز التعليم، وضمان الجودة، ووضع استراتيجيات لجذب ودعم الطلاب المسجلين. من الواضح بأن هنالك حاجة لمزيد من التقدم. إذ لا تزال هناك تحديات في مجالات الحوكمة، وتلبية الطلب المتزايد، وتوظيف الخريجين، والتدويل، والاستخدام الفعال للتكنولوجيا. كما توفر نتائج المسح خط الأساس لهذه القضايا المهمة، مع مزيد من التفاصيل المتاحة حسب المنطقة والبلد.

* كرمة الحسن أستاذة مشاركة ومديرة مكتب البحوث المؤسسية والتقييم في الجامعة الأميركية في بيروت. بالإمكان التواصل معها عبر البريد الإلكتروني [email protected]

Countries

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى