رأي

التعليم الرقمي للاجئين فرصة لإعادة البناء على نحو أفضل

يلقي النطاق غير المسبوق لأزمة الهجرة العالمية اليوم بمطالب هائلة على عاتق أولئك العاملين في مجال التعليم العالي. فالأرقام مذهلة: فمن بين نصف مليون نازح من الشباب السوريين، كان ما يقرُب من 15 إلى 20 في المئة منهم سيكون مؤهلاً للالتحاق بمؤسسات التعليم العالي في بلادهم. إذ اضطر الكثيرون منهم لقطع دراستهم عند فرارهم.

يعيش غالبية النازحين السوريين حالياً في البلدان المتاخمة لسوريا ويسعون للحصول على فرص تعليمية هناك. وعليه فمن المفهوم أن يتم اللجوء للتعليم الرقمي والتعليم عن بعد لخدمتهم. والآمال مرتفعة في أننا قد نتمكن من الاستجابة بفاعلية لاحتياجات هؤلاء الشباب. لكن ذلك سيتطلب التزاماً جاداً من شأنه أن يتجاوز مجرد توفير سبل الوصول إلى دورات على الإنترنت.

ومع التطور الهائل في مجال التعليم الرقمي على نطاقٍ عالمي وتوافر الموارد التعليمية المفتوحة التي ازدادت شعبية من خلال المساقات الهائلة المفتوحة عبر الإنترنت (MOOCs)، انبثقت مبادرات لتلبية احتياجات التعليم العالي للاجئين من خلال التعليم الرقمي في البداية كاستجابة لغياب عروض لتقديم التعليم العالي في مخيمات اللاجئين، ومؤخراً من خلال جامعات على الإنترنت ومنظمات غير حكومية تركز على التعليم العالي. لكن الأمل في تغطية نطاق واسع طغت عليه، وإلى حد كبير، مخاوف بشأن الجودة. وهذا ليس بالأمر المستغرب إذا ما أخذنا في نظر الإعتبار واقع معظم الاستجابات الإنسانية في حالات الطوارئ، والتي جرت العادة ألا تكون مهتمة بالتخطيط على المدى البعيد أو المستدام.

وقد تُركت مثل هذه المسائل إلى حد كبير للتنمية المستدامة. لكن الخطوط الفاصلة بين الاستجابات الإنسانية المبكرة والتنمية طويلة الأمد ضبابية، في أماكن مثل جنوب السودان. تعني حقيقة كون التعليم الرقمي مبشر بخصوص تعامله مع نطاق واسع، أن غالبية اللاجئين في مرحلة التعليم العالي سيسجلون في برامج ومساقات عبر الإنترنت، تُقدم من خلال جامعات على الإنترنت أو منظمات غير حكومية، وعلى نطاق أقل من خلال الجامعات التقليدية أو اتحادات الجامعات الناشطة في مجال التعليم عن بعد. يقدر كل مقدمي التعليم هؤلاء مجتمعين بأن 10,000 إلى 15,000 لاجئ مسجلون في التعليم العالي عبر الإنترنت. وربما يفوق هذا الرقم عدد المنح الدراسية المقدمة للاجئين سنوياً.

يحتاج المسؤولون عن توفير خيارات التعليم عبر الإنترنت للنظر في مسألة الجودة، والوصول الموثوق، وخيارات الإعتماد، والاتصال بمسألة إعادة بناء تعليم عالي جيد في البلدان التي ينحدر منها اللاجئون. لأن رسالة التعليم العالي، في النهاية، تكمن في نقل المعرفة الأكاديمية والتجريبية على حد سواء – وهذا يعني القدرة على التجريد والتعميم على أساس المنطق والأدلة من جهة، وتطبيق هذه المعرفة في سياقات واقعية من جهة أخرى. وإذا ما نظرنا إلى المجتمعات التي ازدهرت في كل من الحقبة الصناعية وعصر المعرفة، نجد بأنها قد أعطت أهمية كبيرة دائماً للصرامة، والتجريد، والتعميم القائم على الأدلة، والعقلانية والاستقلال الأكاديمي.

في مخيم كاكوما في كينيا. (© إندزون)

يتطلب التعليم العالي في حالات الطوارئ، كما هو حال التعليم العالي في أي مكان آخر، من المتعلمين أن يقوموا بما يتجاوز القيام بمجرد استثمار قصير الأمد. غالباً ما تفتقر الدول التي تعاني من الصراعات لتاريخ طويل في التعليم العالي المستقل. كما ستتطلب إعادة بناء هياكل حكم واقية من الصراع جهود مجموعة من الأفراد القادرين على تجنب أخطاء الماضي. ومن شأن كل هذا أن يُساعد المعلمين على إدراك حقيقة وجوب أن ننظر بعناية فيما إذا كان التعليم الرقمي للاجئين يمكن أن يرتقي ليلبي كل تلك المتطلبات. بالإضافة إلى ذلك، هناك أمرٌ مبشر يتخلل هذا التحدي: فقد تستفيد البلدان التي تضم عدداً كبيراً من اللاجئين من الأزمة لتتبنى تعليماً رقيماً ذا جودة عالية كبديل عملي لقاعات المحاضرات التقليدية.

قد يكون من المفيد أن ننظر إلى العروض الحالية المقدمة في مجال التعليم الرقمي للاجئين من حيث مدى استيفائها لمعياريين يعتبران ضروريين بالنسبة للجودة في التعلم عبر الإنترنت، مثل تلك التي طورها إتحاد التعلم عبر الإنترنت (OLC) والعديد من المنظمات الأخرى. (كما أن هناك معايير تم تطويرها أيضاً خصيصاً للتعلم الرقمي في التعليم العالي والتهجير القسري).

وتتضمن المعايير المطلوبة:

في مخيم كاكوما في كينيا. (© إندزون)1- الوصول أمر بالغ الأهمية: لكن يجب ألا يشير الوصول فقط إلى عدد أجهزة الكومبيوتر أو الاتصال غير المنقطع بشبكة الإنترنت. لأن المتعلمين بحاجة إلى محتوى بلغة يمكنهم التعامل معها ومناهج تحترم ثقافاتهم. لأن التمكن من التسجيل على منصة لمساقٍ هائل مفتوح عبر الإنترنت (موك) والإشتراك في أحد المساقات لا يؤدي بالضرورة إلى نجاح المتعلم. عادة ما تكون هذه المساقات مصممة لبلدان الشمال، وتقدم باللغة الإنجليزية في الغالب، وبالكاد تقدم القليل من الدعم التكنولوجي أو التفاعل مع أعضاء هيئة التدريس أو المعلمين. نحن بحاجة لأن نسأل أنفسنا إذا ما كانت هذه النهج تحترم التنوع اللغوي والثقافي على النحو المنصوص عليه في إعلان اليونسكو بشأن التنوع الثقافي. كما إننا بحاجة لأن نسأل إذا ما كان بإمكان المتعلمين من اللاجئين الذين يأتون في الغالب من ثقافات تعليم تسلطية النجاح والإزدهار في بيئات التعلم عبر الإنترنت هذه. نحن بحاجة للنظر فيما إذا كان التعليم بلغة أجنبية – وثقافة أجنبية – حصراً يحترم بحق التنوع ويسمح للمتعلمين من اللاجئين بدمج معارفهم ومهاراتهم الجديدة مع الخلفية الثقافية الخاصة بهم. يتعين علينا أن نحاول تشجيع التعليم بلغتين أو أكثر بما يعزز التفاهم بين الثقافات ويساعد على منع الصراعات التي تدفع الناس إلى الفرار. على الرغم من أن أعداداً كبيرة من الطلاب قد يكونون قادرين على الوصول إلى التعليم الرقمي، فإن هذا الوصول لا يؤدي بالضرورة إلى تعليم أو إتمام ناجح، لاسيما في مخيمات اللاجئين، حيث يكون مجرد الإتصال الأساسي تحدياً. واستدعاء للمبدأ الإنساني بعدم “إحداث ضرر”، فلا يمكننا ببساطة، بل ولا ينبغي علينا، تقبل معدلات تسرب الطلاب الرقميين.

2- يحتاج اللاجئون لشهادات أكاديمية حقيقة. ويحتاج غالبية المتعلمين من اللاجئين لوحدات أكاديمية معترف بها لتكون أساساً يبنون عليه مستقبلهم. وعلى التعليم الرقمي أن يرتفع ليلبي هذه الحاجة. في الواقع، هنالك قيمة في التعليم الرقمي الجيد تأخذ في الإعتبار الضعف الخاص للمتعلمين والسياق الذي يحدث فيه هذا التعليم. لكن الوعود بدرجات علمية معترفٍ بها، بما في ذلك إعتراف وزارات التعليم في العالم العربي بالشهادات الممنوحة رقمياً، يجب أن يكون مدعوماً بأدلة. من السابق لأوانه الحكم عمّا إذا كان بإمكان مبادرات التعليم الرقمي للاجئين النجاح حقاً في هذا الاختبار والوفاء بإلتزاماتها وفق القانون الإنساني الدولي.

يمكن اعتبار معظم المعايير الأخرى المستخدمة لقياس جودة التعلم الرقمي معايير داعمة لهذين المعيارين: الوصول والاعتماد. ومن بين هذه المعايير، يرتبط المعيار الأكثر الأهمية بكيفية تمكن التكنولوجيا وعلم التربية من تلبية الإحتياجات الخاصة للمتعلمين من اللاجئين. عموماً، يفتقر هؤلاء المتعلمون أو يمتلكون خبرة محدودة في التعليم الإلكتروني ومؤشراً منخفضاً في المعرفة المعلوماتية. حيث يتوجب عليهم اجتياز سياقات هشة للغاية مع مشاكل نفسية كبيرة فضلاً عن تلقيهم للتعليم، وإلى حد كبير، في بيئات تعليمية تقليدية للغاية. كما أن معظم اللاجئين الذين يتعلمون عبر الإنترنت منعزلون أيضاً، وذلك بسبب محدودية الإتصال وانخفاض مستوى إجادة اللغة الإنجليزية. كما إنهم لا يستطيعون المشاركة بشكل كامل حتى في بيئة التعلم غير المتزامن. وهذا أمر غير مقبول من الناحية الإنسانية.

تعتبر مزايا التعليم الممزوج والتعليم المتصل من حيث الوصول والاحتفاظ بالطلاب موثقة بشكل جيد وتتم الآن إستعارتها من خلال مبادرة جديدة بإسم جمعية التعليم المتصل، والتي تم إطلاقها من قبل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR ومجموعة من مؤسسات التعليم العالي الفاعلة في تصميم وتطوير وتوفير تعليم عالي رقمي للاجئين وتحقيقه بشكل علمي. دخلت مؤسسات التعليم العالي هذه في شراكات مع الجامعات المحلية للتأكد من أن تكون جزءً لا يتجزأ في البلد المضيف ومراعية للاحتياجات الثقافية للمتعلمين المحليين. كما إنها تسعى أيضاً لاستخدام الأقران ليتمكن الطلاب من تعليم بعضهم البعض وبناء ثقافات التعلم، وتقديم مسارات تعلم مرنة حتى لا يشعر الطلاب وكأنهم في مسيرة إجبارية في إتجاه واحد فحسب. كما تعمل هذه المؤسسات على تصميم مساقات للتعامل مع قيود مخيمات اللاجئين والظروف المعيشية للاجئين في المناطق الحضرية. فضلاً عن سعيها للتحقق من صحة النهج الرقمية بشكل علمي. وفي حين أن النهج التربوية التي يعتمدونها لن تعمل على نطاق واسع بشكل فوري، لكن الرؤى التي تم تحقيقها تحمل آمالاً كبيرة بتأسيس مبادئ توجيهية للجودة.

نحن نأمل في أن نكون قادرين على وضع مطالبات المؤسسات والمنظمات غير الحكومية لإيجاد حلول واسعة النطاق قيد الإختبار وتطوير فهم مشترك لتعليمٍ عالٍ رقمي جيد للاجئين. من شأن تعليم عال رقمي مُحسن أن يقوي في نهاية المطاف البلدان الأم للاجئين والدول المجاورة التي قد يكون التعليم العالي فيها بحاجةٍ أيضاً إلى تغيير لتنشئة مواطنين ذوي تفكير نقدي. لكن المستفيد النهائي بالتأكيد هم اللاجئين أنفسهم.

  • الدكتورة بربارا موسر-ميرسر، مديرة مركز إنزون InZone، وهو مركز بجامعة جنيف لتطوير أساليب مبتكرة في التواصل متعدد اللغات والتعليم العالي في المجتمعات المتضررة من النزاعات.
Countries

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى