رأي

تدريس الفنون الحرة وسيلة لمحاربة التطرف السياسي في الشرق الأوسط

تم نشر المقال أولاً على موقع جوردن تايمز ويعاد نشره هنا مترجماً بموافقة الموقع والكاتبان.

بعد أن أصبحت الهجمات الإرهابية المستوحاة من تنظيم داعش أمراً شبه روتيني، انبثق اهتمام متجدد لتطوير استراتيجيات لمكافحة التطرف الذي ينتهج العنف في جميع أنحاء العالم.

بينما نتكلم الآن، هنالك دراسات يتم التفويض بالبدء بها، وجلسات اجتماع تعقد، ويتم التخطيط لمؤتمرات تهدف لتطوير وتعزيز البرامج الهادفة لوقف عملية التطرف ودعم تحويل الشباب المحرومين والمحبطين إلى مواطنين منتجين، ذوو هدف، ومنخرطين في قضايا وطنهم.

مع خالص الاحترام للمقترحات التي تجري صياغتها من قبل مستشارين يتقاضون أجوراً مرتفعة، نود هنا أن نقترح خياراً بديلاً: الاستثمار في الفنون الحرة.

هذا صحيح. نحن نعتقد أن أفضل وسيلة لتعزيز الحوار، وتمكين الشباب، وتعزيز روح المبادرة تكمن في تشجيع الالتحاق في البرامج الأكاديمية التي تتطلب دورات في الفلسفة، والشعر، وتاريخ الفن.

في الواقع، سنكون جريئين للغاية في القول بأن توسيع فرص تعليم الفنون الحرة في الشرق الأوسط سيؤدي إلى عائد أكبر بكثير في مجال توفير فرص العمل ومواجهة التطرف الذي يتبنى العنف أكثر من الهيجان الحالي الداعي لتوسيع برامج التدريب التقني أو التعليم في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، والمعروفة اختصاراً باسم STEM.

بالتأكيد، نحن ندرك قيمة التعليم عالي الجودة في مجالات مثل الهندسة أو التكنولوجيا في المنطقة. لكننا أيضاً ندرك تماماً حقيقتين غالباً ما يتم إغفالهما ترتبطان بالعلاقة بين التعليم والفرص في المنطقة، وهو ما يجب أن يدفعنا للتساؤل عن الافتراض غير المدروس الذي يفيد بأن التعليم العملي أو التطبيقي لوحده من شأنه أن ينتج شباباً أكثر قابلية للتوظيف وأقل عرضة للتطرف.

الأمر الأول هو زيادة الأعداد المتوفرة من الأطباء والصيادلة والمهندسين.

فعلى النقيض من أجزاء أخرى من العالم، لا يحتاج الشباب العربي إلى التشجيع على الانخراط في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، حيث أن العديد منهم قد اشترط عليهم منذ الولادة أن يسعوا للحصول على أماكن مرغوب فيها في العديد من البرامج الهندسية والطبية في جميع أنحاء المنطقة.

مع ذلك، ونظراً لكون عدد المهندسين الذين نقابلهم يقارب عدد سائقي سيارات أجرة تطبيق أوبر، فإننا لسنا بحاجة لتقارير البنك الدولي لتؤكد لنا قدرة الشركات المحدودة على استيعاب هؤلاء الخريجين.

الأمر الثاني هو أن ضخ هذه الأعداد الكبيرة من الشباب المتعلمين تعليماً عالياً إلى أسواق العمل المشبعة والتي تشهد ركوداً لن يسهم سوى في زيادة تجمعات الشباب المحبطين الذين يجتذب المتطرفون منها مجنديهم.

يعتبر الإحباط، كما يقول الباحثون على الدوام، شرط ضروري للتطرف. فمن النادر أن ينضم شباب منتج وناجح إلى مجموعات متطرفة ويقدمون على تفجير طائرات.

مع ذلك، لا يعتبر الإحباط شرطاً كافياً للتطرف. حيث لا ينتهي المطاف في أن يصبح كل الشباب المحبطين والعاطلين عن العمل كلياً أو جزئياً متطرفين عنيفين. وخلافاً للرأي السائد، توفر البيانات الديموغرافية الأساسية، مثل الحالة الاجتماعية والعمر والدخل، القليل من القرائن.

يدعم كتاب صدر حديثاً للباحثين دييغو غامبيتا وستيفن هيرتوغ اعتقادنا بأن لنوع التعليم علاقة ما بذلك.

ففي كتابهما “مهندسو الجهاد: الارتباط الغريب بين التطرف والتعليم” (الصادر عن مطبعة جامعة بيرنستون، 2016)، وجد الباحثان بأن خريجي الهندسة هم الأكثر عرضة من خريجي التخصصات الأخرى لتوجيه إحباطهم نحو التطرف – سواء أكان تطرفاً إسلامياً، أو الانضمام للنازيين الجدد أو الكو كلوكس كلان KKK.

من بين التفسيرات المحتملة المعروضة في الكتاب أن التعليم الهندسي يجتذب ويُلهم الأفراد الذين يميلون للانغلاق المعرفي – كالاعتماد على الإجراءات المصاغة والنهج التنازلية في حل المشاكل.

بعبارة أخرى، يوفر التعليم الهندسي ذات المحظورات الهرمية التي يروج لها المتطرفون.

لقد عرفنا منذ وقت طويل بأن أولئك الذين يمارسون العنف المتطرف غالباً ما تم جذبهم من قبل قادة أو بيانات رسمية على الإنترنت تقدم محظورات بالأبيض والأسود لتصحيح الظلم الذي لحق بأبناء دينهم أو عرقهم، والرغبة في استعادة نظام صالح للعالم.

تجتاز أصوات صافرات الإنذار هذه الفروق البسيطة للحياة الإجتماعية والسياسية في عالمنا المعقد والمتنوع. مع ذلك، فإنها تتوافق بشكل غير مريح مع النهج المرتبطة بقواعد، والنهج الخطية والهرمية الشائعة في مجالات مثل الطب أو الهندسة.

لذلك، يعتبر نموذج الفنون المتحررة للتعليم العالي وبشكلٍ فريد مناسباً لمواجهة هذه الرسائل ذات البعد الواحد.

فبينما تتطلب المجالات التطبيقية مثل الهندسة والطب والصيدلة التزاماً معيناً بالقواعد، يوفر تعليم الفنون المتحررة فضاء يمكن للطلاب من خلاله إستكشاف الإفتراضات الفلسفية أو الأخلاقية أو الفكرية الكامنة وراء تلك القواعد.

فبدلاً من تسليم سلسلة جاهزة من الصيغ ليتم تطبيقها عند بروز مشاكل محددة، يشجع تعليم الفنون المتحررة الطلاب على التحقيق في أسباب تلك المشاكل، ووضع حلول إبداعية مستقلة لها.

والأهم من ذلك هو أن الركائز الأساسية لتعليم الفنون المتحررة تقوم على اعتبار وجهات نظر متعددة، وتفسيرات متبادلة، ومعتقدات متنافسة.

فمن خلال التعرض المتعمد لمسارات مختلفة من المعرفة، يتعلم الطلاب وضع الآراء المتضاربة في سياقاتها.

بعبارة أخرى، يتطلب تعليم الفنون المتحررة اعتناق تنافر معرفي ورفض ذلك النوع من الإنغلاق المعرفي الذي يزدهر فيه التطرف.

وكما تبين أبحاث هيرتوغ وغامبيتا أيضاً، فمن النادر أن نجد طلاب التاريخ والعلوم الإنسانية في صفوف المتطرفين.

علاوة على ذلك، فإن الفنون المتحررة مشروطة أيضاً بالتكيف مع الظروف المتغيرة وخلق الفرص عندما لا تكون هناك فرص تقليدية في الجوار.

وكما هو حال خريجي الهندسة من جامعتنا، فإن بإمكان الجامعة الأميركية في القاهرة أن تشهد على صدق كون دورات “التعليم العام” التي يلزم طلابنا بأخذها إلى جانب دروس الهندسة أن تمنحهم مزايا هائلة في سوق العمل، حيث يقدر أرباب العمل قدرتهم على التفكير النقدي، والإبداع، وقيادة الفريق.

في الواقع، أظهرت الدراسات أيضاً بأن خريجي العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية والعلوم الإجتماعية مؤهلين بذات القدر (إن لم يكن أكثر) من ناحية التأثير وريادة الأعمال والقدرة التقنية كما هو حال خريجي التخصصات المهنية وما قبل المهنية.

كما إنهم يحظون أيضاً بتقدير أرباب العمل الذي يدركون كون المهارات المهنية التي تدرس اليوم سرعان ما أصبحت غير واقعية كلما تقدمت التكنولوجيا والمجتمع. فهم يرغبون في موظفين بإمكانهم التعلم والتكيف والتفكير بشكل استباقي.

نحن ندرك بأن مقترحنا يتعارض مع الخطاب الأميركي المعاصر الذي يستخف بالفنون الحرة ويعتبرها تافهة وغير متصلة بالاحتياجات التعليمية لاقتصاد القرن الحادي والعشرين. لكن علينا أن نتذكر بأن القيادة العالمية للولايات المتحدة تعتمد في جزء منها على أفراد مبادرين وخلاقين ومبتكرين ليقودوا اقتصادنا، ويديروا حكومتنا، ويوجهوا جامعاتنا.

ونحن نذكركم بأن أناساً مثل كولن باول، وجيمس بيكر، وكارلي فيورينا، وكلارنس توماس، وروبرت غيتس، وباراك أوباما قد امتلكوا شهادات في الفنون المتحررة والعلوم، بينما لم يمتلك أسامة بن لادن ذلك.

  • تيد بيورنتون، عميد كلية الدراسات العليا في التربية في الجامعة الأميركية في القاهرة. وأليسون هودجكينز، أستاذة مساعدة لمادة السياسات العامة والإدارة بكلية الشؤون الدولية والسياسات العامة في ذات الجامعة.
Countries

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى