رأي

سبل تمكين الباحثين في البلدان النامية

“المشكلة هي أنه، وبدون تمثيل في الأوساط البحثية، أصبحت الدول النامية موضوعاً للبحث دون المساهمة فيه،” هذا ما نقلته مجلة سايديف ScicDev.Net عن سارة كامينغز في مقال نشر مؤخراً.

يأتي الاقتباس أعلاه بعد أن وجدت دراسة للمجلات العلمية في مجال دراسات التنمية بأن عدداً قليلاً جداً من المساهمات في تلك المجلات قد جاءت بالفعل من باحثين من البلدان النامية. كما كان التنوع في جنسيات أعضاء مجلس التحرير مفقوداً أيضاً. وأظن بأن معظم المجالات الأكاديمية تتوفر لديها إحصاءات مماثلة أو لربما أسوأ. يشير التقرير إلى اقتراح كامينغز بالحاجة لإعادة التفكير في “عملية النشر وإستكشاف الكيفية التي يمكن لمعايير الجودة التقليدية من خلالها أن تكون متوازنة فيما يتعلق بمنح العالم النامي مجالاً أكبر في خلق المعرفة.”

إنها فكرة جيدة، كما كتبت أبريل هاثكوك مؤخراً، فإذ كنا نرغب حقاً في تحويل التواصل العلمي على المستوى العالمي، فإننا بحاجة لأن نكون منفتحين ومخلصين حول ما من شأنه أن يترتب عن ذلك… يجب أن يكون الحوار حواراً فعلياً وليس خطاباً باتجاه واحد من النصف الشمالي من الأرض الذي يحمل طرازاً استعمارياً مستورداً إلى النصف الجنوبي من العالم. هنالك حاجة لأن يكون هنالك حوار، حوار حقيقي، لا يضع عملية خلق المعرفة وقيم أميركا الشمالية البيضاء وأوروبا الغربية في المركز. إن أولئك المنحدرين من النصف الشمالي من العالم منا بحاجة للاعتراف بالضرر الذي أحدثه استعمارنا الليبرالي الجديد بالنسبة للبحث العلمي في جميع أنحاء العالم وأن نتحمل مسؤولية ذلك. وبعد ذلك، نحن بحاجة للتراجع والإكتفاء بالإستماع.

هذا صحيح، لكن، وبصفتي باحثة من نصف الكرة الجنوبي، ما الذي يتوجب على المرء القيام به؟ أن ينتظر حتى يقرر الشمال الإصغاء؟ لأن الطريقة الوحيدة حتى الآن، في الواقع، لجعلهم يستمعون إلينا تكمن في أن نكتب بلغاتهم، وفي مجلاتهم، ووفقاً لمعاييرهم البحثية آملين في أن ننجح في ذلك. ومن الواضح بأن ذلك يصلح بالنسبة لأقلية منا (ربما أولئك الذين درسوا أو تلقوا تدريبهم في المؤسسات الواقعة في دول الشمال لأن الآخرين لن يحصلوا على تلك المعايير غير المرئية، وليس في إمكانهم الكتابة وفقاً لتلك المعايير، ولا يمكنهم الوصول إلى تلك الأبحاث العالمية غير المتوفرة عن طريق جامعاتهم أو ذلك التوجيه).

وفي هذا الصدد، تبرز عيوب (بعض) الدراسات في العالم النامي إلى الواجهة: تاريخ من الانتحال، وطرق بحث ذات جودة رديئة، وأسلوب كتابة ضعيف يجعل من الصعب على الناطقين باللغة الإنجليزية المتابعة. لكن هذه الأمور ليست أشياءً يتحمل مؤلفو تلك الدراسات اللوم عليها بشكل كامل. لأنه ليس خطأهم أن تكون معظم المجلات العلمية تعتمد على الاشتراك المكلف وليس في إمكانهم الوصول إليها (بصورة قانونية) أو أن اللغة الإنجليزية ليست لغتهم الأم أو أن تكون لديهم موارد أقل جودة وعدداً لإجراء البحوث أو أن يعثروا على مساعدي باحثين يتقاضون أجوراً زهيدة. كما إنه ليس ذنبهم أن ثقافتهم لا تناقش الانتحال وفقاً للمعايير الغربية. (إن سنوات من التعليم في أماكن مثل مصر ليست كافية لإعداد الباحث لدرجة تمكنه من إحترام حقوق التأليف والنشر أو فهم الانتحال، والسبب الرئيسي في ذلك هو أن تلك المبادئ يتم تجاهلها تماماً خلال سنوات المدرسة والجامعة في المؤسسات الحكومية.)

في ندوة لمؤسسة دمج أفريقيا إلكترونياً e/Merge Africa Seminar عقدت مؤخراً، اشتركت مع الباحثة لورا تشيرنيفيتش من جنوب أفريقيا، فاقترح أحد المشاركين بأن على الأفارقة البدء بتأسيس مجلاتهم العلمية الخاصة بهم، لاسيما وأن الأبحاث الأفريقية لم تكن تحصل على الموافقة على نشرها في المجلات الدولية التي تعتمد على تقييم الأقران. لكن، هنالك عائق: لأن مؤسساتنا المحلية تقدر المنشورات الدولية المعتمدة على تقييم الأقران بشكل أكبر بكثير من المنشورات المحلية. ويستغرق بناء سمعة جيدة للمجلات المحلية سنوات من الجهد. وبذلك فإننا لا نزال نواجه مأزقاً: أن نمنح تلك المجلات الشرعية، وقد نحتاج للخضوع لمعايير دول الشمال فيما يخص ما يمكن اعتباره بحثاً علمياً ذا قيمة.  

أود هنا مشاركة نشاطي الصغير في مجال تخليص الدراسات من آثار الاستعمار ببطء في مجالي. ليس أسلوبي ثورياً بأي حال من الأحوال، لكنه مجرد دفعة للتغيير البطئ ضمن المعايير القائمة إلى الأمام.

1- أقوم بمراجعة أكبر عدد ممكن من المقالات للمجلات. فوجدت بأن بعض المجلات تقوم بإعطائي مواضيع من قبل غير الناطقين بالإنجليزية. أحاول بذل جهد مشترك لمراجعة تلك المواد بإنصاف قدر المستطاع، مع التركيز على الجوهر وتجاهل المشاكل اللغوية الصغيرة، وأقدم تعليقات بناءة للمؤلفين. أحياناً يكون المقال على الحد الفاصل للرفض، لكنني أطلب من المحرر منح الكتاب فرصة لتحسين عملهم (وإذا لزم الأمر، يحصلون على مساعدة لتحسين لغتهم، لأن أهمية الحاجز اللغوي بالنسبة للبعض مسألة لا ينبغي الاستخفاف بها).

2- أقوم بجعل أكبر قدر ممكن من عملي الخاص متاحاً أمام الجميع. بالنسبة لي، تعتبر قدرة الباحثين في الدول النامية على الوصول إلى أبحاثي واجب أخلاقي. الكثير من الباحثين غير مرتبطين بمكتبة مؤسسية قوية. في مصر، ستساعد مبادرة EKB على الصعيد المحلي، ولكن تلك مبادرة محلية، وهذا ليس كافياً. لا أزال أدعو لجعل الوصول للأبحاث مفتوحاً. والوصول، بطبيعة الحال، ينبغي أن يتجاوز القدرة على تحميل مقال ما لتعني القدرة على قراءته وفهمه في واقع الأمر.

3- إذا ما حصل وعُرض علي منصب ما ذو سلطة، كأن أكون عضوة في مجلس تحرير، فإنني أقبل مثل تلك الفرص. وسأدافع عن مجالس أكثر تنوعاً، والمزيد من التنوع بالنسبة للمؤلفين، وانفتاحاً أكبر.

4- متى ما كان في إمكاني، أقوم بتعليم الباحثين الأحدث خبرة لمساعدتهم في إيجاد منافذ لنشر أبحاثهم وإعداد أوراقهم البحثية للنشر. كما أقوم بتوجيه الناس إلى شبكة التوجيه على الإنترنت المسماة AuthorAid والتي تساعد الباحثين المبتدئين على العمل مع باحثين أكثر رسوخاً في مجالاتهم. مما يدعو للأسف أن بعض الباحثين المصريين يشعرون بالقلق حيال مشاركة أبحاثهم مع شخص غريب خشية أن يقوم أحدهم بسرقتها وتقديمها كما لو كانت ملكاً له. وقد واجه العديد من الباحثين الجدد مثل هذه السرقات المباشرة من قبل أناس يثقون بهم وعملوا معهم محلياً.

لا شيء مما سبق يتحدى هيمنة معايير الأبحاث الخاصة بدول الشمال، فما الذي سيتحدى هذه الهيمنة للنصف الشمالي من الكرة الأرضية؟

1- ستكون بداية رائعة إذا ما قمنا بإنشاء المجلات الخاصة بنا وقمنا بتحديد المعايير الخاصة بنا وقامت مؤسساتنا بقبول ذلك وتقديره. للأسف، تبدو الطريقة الوحيدة لنرى مثل هذه المجلات تكتسب الشرعية في وقت قصير هي أن يكون أعضاء مجلس الإدارة “التحرير” باحثين راسخين وموثوقين. وهذا يقوم مرة أخرى على المعايير الدولية (ويعني ذلك الشمال ضمنياً)، وهو ما يعني بأنها ستكون ناجحة في مطابقة المعايير الغربية. فهل ستكون تلك المجلات على استعداد لتحدي وتجربة المعايير العلمية الغربية أم أنها ستخشى المخاطرة بسمعتها على الصعيد الدولي؟

2- إذا ما قمنا بكتابة أبحاثنا العلمية بلغتنا الأم، هو شيء لا يمكنني فعله ولم أفعله كثيراً – والفضل هنا لفريق الترجمة في الفنار للإعلام لكونهم المسؤولين عن وجود أغلب المحتوى العربي الخاص بي على الإنترنت. لكن، ربما يمكن ويجب أن يتضمن المحتوى الخاص بمجلاتنا نسخاً من المواضيع بعدة لغات (هناك مجلات بالفرنسية والإنجليزية معاً بالفعل – ويمكن أن تكون هناك مجلات بالعربية والإنجليزية. أعلم بوجود عدد قليل من هذه المجلات لكنها ليست من تلك المجلات التي تترجم كل موضوع). أنا أعلم بوجود مجلة مقرها الولايات المتحدة الأميركية رغبت في تجربة التأليف بلغاتٍ مختلفة. أعتقد بأن بعض المحررين سيقبلون هذه الفكرة – لكن التنفيذ سيكون صعباً. أنا أرغب في جعل الأبحاث الدراسية في متناول العديد من القراء. الأمر يستحق ذلك، بالنسبة للبعض منا، لكن يجب الاعتراف بأنه صعب ومكلف للغاية.

3- المؤتمرات: لقد سئمت من حضور المؤتمرات حيث أجلس لأستمع لجلسة بعد أخرى مكونة من رجال أكبر سناً في ملابس رسمية. ماذا لو قمنا بتحدي المؤتمرات لتضم متحدثين أكثر تنوعاً وقوة – كالنساء، والباحثين الدوليين، والأشخاص الملونين – وأن تكون أكثر تعمداً في الاختيار وليس بطرق رمزية؟ المؤتمرات المحلية كما الدولية؟ (إقرأ منشور رافرانز ديفيس بهذا الخصوص). لقد كنت من ضمن اللجان التوجيهية في مؤتمرات دولية. وغالباً ما كنتُ العضو الدولي الوحيد، أو على الأقل الشخص الوحيد من الجزء الجنوبي من العالم هناك. أنا أفهم لماذا الحال على ما هو عليه، لكن قبول الوضع الراهن لن يحدث أي تغيير.

وكما كتبت أبريل هاثكوك: “من الممكن عرقلة الطريقة التي تميل هذه المحادثات لأن تجري وفقاً لها، لكن ذلك سيتطلب عملاً ناقداً، ومدروساً، ومتعمداً.”

أنا متأكدة بأنني لم أسلط الضوء على كل السبل الممكنة لتعزيز أصوات العلماء من دول جنوب الكرة الأرضية. وما يتوجب فعله لتحدي هيمنة دول الشمال على المعرفة؟ وأي شيء آخر تظن بأن في إمكاننا القيام به؟

Countries

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى