رأي

دعم التعليم العالي للاجئين

نُشرت النسخة الاصلية من المقال باللغة الانجليزية على ستانفورد ريفيو للابتكار الاجتماعي، ويتم نشرها مترجمة من قبل فريق إدراك وبموافقتهم. 

يبلغ عبدالله الآن 26 عاماً من العمر. وقد كان في عامه الجامعي الأخير عندما اندلعت الحرب في سوريا عام 2011. بسبب نزوحه القسري من وطنه إلى الدول المجاورة، وكما هو الحال بالنسبة للكثير من أصدقائه وأفراد عائلته، اضطرّ عبدالله لترك الجامعة وتعليق دراسته لأكثر من عام، بينما تمكّن من تأمين مسكن آمن ومصدر دخل يُعيله مع عائلته. وفي ظل غياب الوثائق المطلوبة لمواصلة تعليمه الرسمي في البلد الـمُستضيف أو في الخارج، ودون امتلاكه للمستوى المطلوب من اللغة الإنجليزية لمواصلة تعليمه الجامعي في الخارج، توجّه عبدالله إلى التعليم الإلكتروني.

وبفضل مثابرته ومساعدة الأشخاص من حوله، إضافة إلى توفر الاتصال بالإنترنت، تمكّن عبدالله من مواصلة سعيه للحصول على التعليم في ظل الصراع الذي طال أمده من خلال الالتحاق بمساقات إلكترونية بلغته الأم؛ اللغة العربية. الخيار الذي لا زال محدوداً في ضوء شُحّ المحتوى العربي الرقمي.

ستكون الطريق طويلةً بالنسبة لعبدالله والكثيرين من أمثاله، إلا أن التعليم الإلكتروني هو البداية للوصول إلى فرص العمل التي من شأنها توفير الاستقرار لعائلته، ويوماً ما لبلده أيضاً.

عبدالله هو فقط واحد من خمسة ملايين لاجئ سوري ممن نزحوا إلى البلدان المجاورة خلال السنوات الست الماضية. من بين أولئك اللاجئين حوالي 600,000 ممن تتراوح أعمارهم بين 18 – 24 عاماً، وهو العمر الذي يتابع خلاله أقرانهم من الدول الأخرى تعليمهم العالي. وفي حين يتخطى المعدل العالمي للالتحاق بالتعليم العالي نسبة 30 في المئة وفقاً للبنك الدولي، يتراوح المعدل بالنسبة للاجئين السوريين بين 1 – 5 في المئة أما قبل الحرب فقد كان أكثر من 25 في المئة من السوريين الشباب مُلتحقون بالتعليم العالي. وبالنظر إلى معدل الالتحاق المتدني، أولى مجتمع العمل الإنساني الدولي تركيزاً كبيراً على محاولة إيجاد حلول لهذه المشكلة من أجل تجنب تبِعات لا يُحمد عقباها لـ”جيل ضائع”.

فريقنا في إدراك، وهي منصة عربية للتعليم مفتوح المصادر أطلقتها مؤسسة الملكة رانيا، عمِل مع العديد من الجهات الدولية والإقليمية لمعرفة كيف يمكننا لعب دور أكبر في دعم اللاجئين للوصول للتعليم العالي.  وعلى الرغم من أن مواردنا متاحة مجاناً، إلا أننا تمكنا من إيصال مساقاتنا الإلكترونية إلى حوالي 3,000 لاجئ فقط حتى الآن من خلال شركاء مُنفّذين في مخيمات اللاجئين السوريين. وفي حين تكون مساقاتنا المجانية مفيدة للمتعلمين ذوي المستوى المتوسط، كما هو الحال في المساقات الإلكترونية مفتوحة المصادر عموماً، مما يتيح للمتعلمين مواصلة مسارهم المهني والانخراط في تعلّم مستمر مدى الحياة، إلا أن تلك المساقات تكون أقل أهمية بالنسبة للمتعلمين من اللاجئين. ويعود ذلك إلى اختلاف الطموحات المهنية للطلاب اللاجئين، وما يترافق مع ذلك من عوائق إضافية تتخطى تلك التي يواجهها المتعلّم عادة، فهنالك تشريعات ترتبط بطبيعة الوظائف التي تسمح الدول المستضيفة للاجئين العمل بها، علاوة على الحاجة لامتلاكهم المهارات والمعرفة التي ستُمكّنهم من المساهمة في إعادة إعمار وطنهم لدى عودتهم اليه.

لازال هنالك الكثير من الجهود التي يتوجب بذلها، ولكن عملنا وأبحاثنا، ضمن السياق الأردني على وجه الخصوص، قد أفضت إلى مجموعة من التوصيات لكل من الجهات المانحة والمنظمات من مثل مؤسستنا ممن يسعون إلى تحقيق أثر ملموس على تجربة اللاجئين في التعلُّم. كما نبهتنا إلى أهمية هيكلة أي من جهود حل المشكلات المتعلقة بالتعليم العالي للاجئين حول أربعة محاور، لربما بديهية إلا أنه يمكن تجاهلها بسهولة، وهي: التكلفة والقيمة والاتصال والمحتوى.

التكلفة

تُشكّل التكلفة بالنسبة لأي عائلة من اللاجئين عائقاً كبيراً أمام أي تعليم رسمي أو غير رسمي. ففي الأردن على سبيل المثال، يتراوح متوسط دخل معظم العائلات السورية ممن يقطنون خارج المخيمات بين 100-400 دولار أميريكي في الشهر، وهو أقل من الحدالأدنى للأجور في الأردن، وفقاً لتقريرٍ لمنظمة العمل الدولية نُشر عام 2015. عملية معادلة امتحان الثانوية العامة، والتي من شأنها تمكين اللاجئين من الاستفادة من المزيد من الخيارات التي يقدّمها مزودو خدمات التعليم العالي الرسمي، تتطلّب وثائق إما تركوها قبل رحيلهم أو تعرضت للضياع، وتكلفتها تصل إلى 300 دولار أميركي للمُتعلّم لكل من الامتحانات والشهادة، وهو مبلغ لا يمكن لكثير من السوريين الذين يعيشون الفقر تحمّله.

يُعدّ لزاماً على كل من صانعي السياسات ومدراء المشاريع والرياديين تفحُّص كافة الخطوات التي قد يتّبعها مُتعلّمٌ لاجئ طموح للوصول إلى الأدوات التعليمية والتأكد من أن التكلفة لا تُشكّل عائقاً حقيقياً أمام أية حلول مبتكرة. يتوجّب على صانعي السياسات العمل مع الجهات المانحة لضمان دعم أية تكاليف إجرائية بشكلٍ وافٍ، مع مراعات احتياجات المجتمعات المستضيفة. وعلى مسؤولي المشاريع والرياديين إيجاد نماذج تشغيلية تُعوّض اللاجئين عن الوقت الذي يقضونه في التدريب، وخاصةً بالنسبة للرجال الذين عادةً ما يُمثلون المعيل الأساسي لعائلاتهم.

القيمة

تمثل الغاية من التعليم محل جدال شديد، ولكن بالأساس؛ يتوقع أن يُتيح أي تعليم للطلاب السبل لبلوغ أهدافهم. ينبغي تصميم  برامج التعليم بحيث تقدم القيمة الصحيحة والمهارات التي يمكن للطلبة استغلالها لتحقيق طموحاتهم. يُشير بحث ميداني إلى أن برامج التعليم العالي التي تستهدف السوريين الشباب يجب أن لا تعمل على تزويد الطلبة بشهادات أكاديمية فحسب، بل أن تمكّنهم كذلك من الوصول إلى ما صرحوا عنه في جلسات مجموعات التركيز كهدفهم الأساسي، وهو الحصول على وظيفةٍ مُدرّة للدخل. ينبغي على البرامج التدريبية أن تُصمّم بما يتلائم مع الفرص الوظيفية القائمة والمتوقعة. وعلى مسؤولي البرنامج وكذلك الجهات المانحة النظر في الأثر الذي يمكن تحقيقه على السياسات المرتبطة لضمان نجاح نلك البرامج. كما يتوجّب ربط تمويل الجهات المانحة بأهداف التوظيف.

الاتصال

أدى الانتشار الواسع للوصول إلى الإنترنت إلى نهج غير دقيق حول كيفية استخدام الرياديين وغيرهم للتكنولوجيا من أجل تطوير حلول لمشكلة اللاجئين. فالحلول التقنية مثل منصّات التعليم الإلكتروني ليست دائماً أكثر الحلول رغبةً أو ملائمةً للطلبة السوريين. في الأردن على سبيل المثال، تعمل الحلول المبنية على الإنترنت على أكمل وجه للاجئين خارج المخيمات، حيث يتوفّر الوصول إلى الأجهزة التكنولوجية وخدمات الإنترنت بشكل أكبر، وتكون أكثر فعاليةً إذا ما صممت أساساً لأجهزة الهاتف النقال، حيث أن الغالبية العظمى من اللاجئين السوريين خارج المخيمات يملكون هواتف ذكية. أما في المخيمات، فيمكن للطلبة الوصول إلى الإنترنت غالباً في مراكز التعلُّم، حيث أن خدمات الجيل الثالث من الاتصالات غير متوفرة معظم الوقت. بالتالي أية حلول في هذا السياق يجب أن تأخذ تلك الحقيقة بالاعتبار عند تصميمها. علاوة على ذلك، أظهرت جلسات مجموعات التركيز بوضوح أن غالبية المتعلمين اللاجئين يفضلون بشدة صيغةً مُدمجة للتعليم تتضمّن تفاعلاً واقعياً مع معلّميهم، مقارنة باستراتيجية مبنية على التعليم الإلكتروني  بالكامل حيث يكون التعليم افتراضياً فقط، والفرصة للحوار بين الأقران تكون محدودةٌ جداً. من المهم إدراك أن قدرة الطلبة على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي مثل واتسآب أو فيسبوك لا تعني بالضرورة القدرة على التعلّم عبر الإنترنت. فمجرّد إتاحة المحتوى عبر الإنترنت لا يحقق الهدف بالنسبة للكثير من المتعلّمين من اللاجئين. فعلى مصطلح “الاتصال” أن يحمل معان أكثر عُمقاً في هذا السياق.

المحتوى

أخيراً وليس آخراً، من المهم جداً أن يكون محتوى أي من الفرص التعليمية ملائماً للفئة المستهدفة. وعلى الرغم من أنه الأكثر وضوحاً بين العوامل الأربعة، إلا أنه من المدهش كم يتم إغفال أهمية تزويد المتعلمين من اللاجئين بمحتوىً يكون ذو صلة بالمهارات التي يحتاجون اكتسابها ويقدَّم أيضاً بلغة وبمستوى يمكنهم فهمه. بسبب قلة المحتوى العربي عموماً، والاستعجال بالاستجابة لحجم أزمة اللجوء على وجه التحديد، تم إغداق كم هائل من المحتوى التدريبي باللغة الإنجليزية على اللاجئين السوريين، على الرغم من حقيقة أن غالبية السوريين الذين قابلناهم عام 2016 أظهروا مستويات متدنية من اللغة الإنجليزية.

تُظهر خبرة “إدراك” أنه بينما يُركز الكثير من المانحين ومزودي الخدمة المحليين ومؤسسات الفكر وصانعي السياسات على تزويد الفئات الأقل حظاً بالأساليب التكنولوجية والبرامج الأحدث، يمكن أن يكون ذلك على حساب الأساسيات. من المهم تصميم برامج تراعي وتلبي احتياجات الطلبه ضمن واقعم وظروفهم. فمن المهم تجنّب اتّساع الفجوة بين ما هو متوفر وما هو غير متوفر، وخاصةً بالنظر إلى الارتباط بين مستويات التعليم والطلاقة باللغة الإنجليزية. جَسْر الفجوة الآن سيتيح لهؤلاء الأشخاص في المستقبل الوصول إلى محتوى متقدماً باللغة الإنجليزية.

المحاور الأربعة آنفة الذكر لن تجعل من الاستجابة لأكبر أزمة إنسانية يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية أكثر سهولةً. إلا أننا نأمل أن تُقدم للأطراف المعنية إطاراً للتأكد من أن الحلول التي يطوّرونها لمواجهة الأزمة يمكنها مساعدة عبدالله والملايين من أمثاله حول العالم على نحو أفضل وأكثر فعالية. فتكلفة عدم القيام بذلك قد باتت كبيرة جداً.

للإطلاع على كامل الدراسة التي أجراها فريق إدارك، اضغط هنا.

*شيرين يعقوب هي الرئيسة التنفيذية لمنصة إدارك، منصة التعليم الالكتروني الرائدة في العالم العربي. تعمل شيرين في الأردن ويمكن التواصل معها عبر تويتر على  [email protected]

*نافذ الدقاق يدير مكتب مؤسسة الملكة رانيا في لندن ويخدم كرئيس تنفيذي لمجلس ادارة منصة ادراك. يوزع نافذ وقته بين عمان ولندن ويمكن التواصل معه عبر تويتر على ndakkak @

* دانة القاروط تعمل في مؤسسة الملكة رانيا للتعليم والتنمية في الأردن كمسؤولة أبحاث وتطوير برامج. يمكن التواصل معها عبر تويتر على [email protected]

Countries

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى