أخبار وتقارير

كوفيد-19 وضعف التمويل يعرقلان جهود التعاون البحثي المتوسطي

ملاحظة المحرر: نُشرت هذه المقال أولاً من قبل شبكة ساينس بيزنس Science | Business ويُعاد نشرها كاملة ومترجمة للغة العربية بموافقتهم.

وسط صخبٍ كبير في عام 2017، أطلقت دول حوض البحر الأبيض المتوسط واحدة من أكبر الجهود على الإطلاق في مجال الدبلوماسية العلمية، متمثلة في مشروع بقيمة 580 مليون دولار أميركي للشمال والجنوب للتعاون في مجال بحوث الغذاء والمياه والزراعة. بعد ذلك بثلاث سنوات، يواجه المشروع صعوبات مالية وعملية.

واجهت العديد من المشاريع البحثية في المشروع، المعروف باسم الشراكة من أجل البحث والابتكار في منطقة البحر الأبيض المتوسط – بريما (PRIMA)، معوقات بيروقراطية في إيطاليا، وأزمة مالية في لبنان، إلى جانب الإجراءات الصارمة المتخذة لاحتواء جائحة كوفيد-19 في العديد من البلدان. قال دانييلي باسي، منسق المشروع وأستاذ الزراعة في جامعة ميلانو، “تتمثل مشكلتنا الرئيسية – ولا تزال – في تأخير إطلاق التمويل.”

رغم التحديات، لا أحد يتحدث عن إنهاء الأمر؛ لأن المسألة مهمة جدا من الناحية الدبلوماسية. أمام الشراكة أربع سنوات أخرى قبل أن يجدّد الاتحاد الأوروبي تمويلها، بسبب التأخير في البدء بها في المقام الأول. قال أنجيلو ريكابوني، رئيس مجلس إدارة بريما، “سيكون هناك دعم سياسي قوي للغاية من كل من الدول الـ 19 والمفوضية الأوروبية للمضي قدمًا في المبادرة. أنا متأكد من أننا سنجد حلاً.”

تعتبر بريما جهد كبير للاتحاد الأوروبي في مجال دبلوماسية العلوم، وذلك باستخدام مشاريع البحث والابتكار في محاولة لبناء الجسور عبر البحر الأبيض المتوسط، وبالتالي تعزيز العلاقات السياسية. من الناحية الفنية، تمثّل بريما شراكة حكومية دولية مقرها برشلونة وتتلقى 259 مليون دولار من برنامج أبحاث آفاق 2020 التابع للاتحاد الأوروبي. ويأتي المبلغ المتبقي من 19 دولة مشاركة هي: البرتغال وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا ومالطا وسلوفينيا وكرواتيا واليونان وقبرص وتركيا ولبنان والأردن وإسرائيل ومصر وتونس والجزائر والمغرب وألمانيا ولوكسمبورغ.

عرقلة في إيطاليا ولبنان 

لكن، وكما هو متوقّع في مثل هذه المبادرة المعقدة، واجهت بريما مؤخرًا مشاكل بسبب  وباء كوفيد-19، والاضطراب السياسي، والضغوط الاقتصادية – في أوروبا ودول شمال إفريقيا والشرق الأوسط أيضًا.

قال باسي، منسق فري كلايمب FREECLIMB (مقاومة محاصيل الفاكهة لتغير المناخ في حوض البحر الأبيض المتوسط)، أحد مشاريع بريما لدراسة الجينات التي تساعد محاصيل الفاكهة على النمو في البيئات الجافة، “في إيطاليا، ما زلنا ننتظر التمويل من حكومتنا.” وأضاف أن جائحة فيروس كورونا لم تمثل عقبة رئيسية أمام فري كلايمب لأن معظم العمل الميداني يتم في مساحات مفتوحة واسعة. ولكن بسبب تأخّر التمويل، من المحتمل أن يتم تمديد المشروع من ستة إلى 12 شهرًا، فضلاً عن الحاجة إلى دعم إضافي.

ليست إيطاليا الدولة الوحيدة في بريما التي انتظر فيها الباحثون أموال الحكومة، إذ لم تدفع الحكومة اللبنانية أجور الباحثين أيضًا بسبب الأزمة المالية التي تجتاح البلاد. قال أوكتافي كوينتانا ترياس، مدير أمانة بريما، إن شركاء المشروع والمؤسسات الخاصة في لبنان، مثل الجامعة الأميركية في بيروت، ساعدوا في دفع تكاليف الباحثين اللبنانيين حتى يتمكنوا من الاستمرار في العمل في الوقت الحالي. قال “إنها بالتأكيد مشكلة، لكن حتى الآن، تمكنا من حل المشكلات مؤقتا على الأقل.”

“سيكون هناك دعم سياسي قوي للغاية من كل من الدول الـ 19 والمفوضية الأوروبية للمضي قدمًا في المبادرة. أنا متأكد من أننا سنجد حلاً.”

أنجيلو ريكابوني
 رئيس مجلس إدارة بريما

يواجه مشروع آخر من تمويل بريما، اسمه الأطعمة الحرفية ArtiSaneFood، تأخيرات. يعمل المشروع مع صغار منتجي الأغذية الذين يستخدمون الوصفات التقليدية والمكونات المحلية في البرتغال وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان وتونس والجزائر والمغرب. قالت أورسولا غونزاليس بارون، منسقة المشروع والمحققة الرئيسية للأنظمة الاجتماعية والبيئية في مركز بحوث الجبال في البرتغال، “تتمثل الفكرة في الأساس في دراسة كيفية تحسين سلامة الأطعمة الحرفية”. وأوضحت أن صغار المنتجين غالبًا ما يكافحون للحفاظ على اتساق الجودة بسبب عوامل عديدة يمكن أن تؤثر عليها، وبذلك يهدف المشروع إلى مساعدتهم على نمذجة منتجاتهم.

كما هو حال مشروع فري كلايمب FREECLIMB، تعثّر مشروع الأطعمة الحرفية ArtiSaneFood بسبب إخفاق إيطاليا في صرف أموال المنح في الوقت المحدد. لكن المشروع تأثر أيضًا بالوباء، لأن العمل الميداني يُنجز في مصانع صغيرة أُجبرت على الإغلاق. ترى غونزاليس بارون أن كوفيد-19 تسبب في تأخير قدره أربعة أو خمسة أشهر، ويطلب المشروع  من بريما تمديدًا لمدة عام واحد.

مع ذلك، بالنسبة لأحد مشاريع بريما على الأقل، يمكن أن يكون لإغلاق كوفيد-19 جانب مشرق على شكل طرق جديدة للبحث. يهدف مشروع سوستين كوست Sustain-Coast إلى تطوير سياسات لإدارة ندرة المياه في دول البحر المتوسط. قال جورج كاراتزاس، منسق المشروع وأستاذ تلوث التربة ومعالجتها في جامعة كريت التقنية، إنه ومع تعثّر المشروع، ستتاح الفرصة للباحثين الآن لدراسة آثار الخمول لفترات طويلة على المياه الجوفية في قطاعات مثل السياحة.

انطلاقة بطيئة

تأخر إطلاق مبادرة بريما 2017 بحد ذاتها. قال كوينتانا، مدير أمانة بريما، إن الإنطلاق كان صعبًا، لأنه ومع كون معظم الشراكات البحثية الكبيرة للاتحاد الأوروبي جاهزة للانطلاق جنبًا إلى جنب مع آفاق 2020 في عام 2014، إلا أنه كانت هناك مفاوضات بشأن بريما بعد أن كان برنامج البحث الكبير للاتحاد الأوروبي قد بدأ بالفعل. قال كوينتانا “كان ذلك سيكون أسهل لو أنه تمّ في البداية، لكن عند البدء في الوسط سيكون أكثر تضاربًا، لأنك بحاجة إلى استخدام الأموال التي تم رصدها بالفعل.”

قال عبد الحميد الزهيري، الذي كان في ذلك الوقت كبير مستشاري وزير التعليم العالي المصري ومثّل الدولة في المفاوضات، إن مبادرة بريما أُقترحت لأول مرة في عام 2012، مدعومة بالحماس على جانبي البحر الأبيض المتوسط لعلاقات أقوى بعد الربيع العربي. قال “لكن بعد ذلك فقدت اللجنة اهتمامها بطريقة ما وبدأت تعيد النظر، ربما لأنهم رأوا أن الربيع العربي لم يكن يسير في الاتجاه الصحيح.”

“تقدم المبادرة بالتأكيد شراكة مهمّة جدّا. ولكن، هناك شعور بخيبة الأمل لأن بريما لا تزال الشراكة الوحيدة من نوعها. لماذا لا نعالج مواضيع مهمة أخرى؟ فهناك الكثير منها – كانت مصر تطلب مزيدًا من التعاون في القضايا الصحية، وهو أمر مهم جدّا الآن.”

عبد الحميد الزهيري
 رئيس الجامعة الأورو-متوسطية (EMUNI) في سلوفينيا

وأضاف “لإعطائهم فائدة الشك، كان هناك تحديًا إداريًا لإنشاء شراكة بحثية ممولة من الاتحاد الأوروبي مع الحكومات غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي كأعضاء كاملي العضوية.” قال الزهيري، الذي يشغل حاليا منصب رئيس الجامعة الأورو-متوسطية (EMUNI) في سلوفينيا، إن بعض دول الاتحاد الأوروبي، ولاسيما إيطاليا، ظلت ملتزمة بالمبادرة.

لكن كوينتانا قالت إن أزمة الهجرة لعام 2015 خلقت “دفعة سياسية” متجددة لمبادرة بريما. قال “بغياب تلك الأزمة، كان البرنامج سيواجه صعوبات أكثر من الناحية السياسية في ذلك الوقت.”

يعتقد الزهيري أنه بمجرد أن توفرت الإرادة السياسية، استغرق الأمر عامين للموافقة على هيكلية مبادرة بريما وإبرام معاهدة بين جميع الدول الأعضاء.

لا يسعى أحد للزعم بأن بريما تعالج أسباب أزمة الهجرة لعام 2015، لكن كوينتانا يعتقد أن الشراكة قيمة لأنها تساعد الباحثين من جميع أنحاء المنطقة على العمل معًا للمرة الأولى. قال ريكابوني، رئيس بريما وأستاذ الاقتصاد في جامعة سيينا، “نحن في الحقيقة نشجع الدبلوماسية العلمية من خلال البرنامج.” ويعتقد أن جائحة كوفيد-19 تسلط الضوء على أهمية الأمن الغذائي، الذي يمكن أن تساعد مبادرة بريما في بنائه.

يعني تأخر إنطلاق بريما أن الشراكة ستواجه المزيد من العقبات البيروقراطية في المستقبل. بهدف الحصول على تمويل من برنامج البحث والابتكار الكبير القادم للاتحاد الأوروبي، آفاق أوروبا، الذي سيخلف آفاق 2020، تحتاج بريما إلى تفويض جديد، والذي سيتطلب تشريعات جديدة من الاتحاد الأوروبي واتفاقية متجددة بين الدول المشاركة.

كما يعني التأخير الأولي في إطلاق بريما أيضًا أن الشراكة لم تخضع بعد لمُراجعة انقضاء منتصف المدة، والتي ستلعب دورًا في تحديد مستقبلها. قال كوينتانا إن بريما خصصت ميزانية بالفعل لذلك، لذلك ستواصل تقديم المنح بعد انتهاء صلاحية برنامج آفاق 2020.

لحسن حظ بريما، تخطط المفوضية الأوروبية للإعلان عن موجة ثانية من الشراكات في منتصف الطريق خلال فترة آفاق أوروبا Horizon Europe، في عام 2024. يبدو ريكابوني متفائلا بآفاق تمويل بريما المستقبلي، ويرى أن الشراكة مثال للنجاح.

قال الزهيري “تقدم المبادرة بالتأكيد شراكة مهمّة جدّا. ولكن، هناك شعور بخيبة الأمل لأن بريما لا تزال الشراكة الوحيدة من نوعها. لماذا لا نعالج مواضيع مهمة أخرى؟ فهناك الكثير منها – كانت مصر تطلب مزيدًا من التعاون في القضايا الصحية، وهو أمر مهم جدّا الآن.” وأضاف “نوعًا ما، توظّف بريما الآن من قبل السياسيين ليقولوا، “حسنٌ، لدينا بريما، وقد خصّصنا الأموال من أجل حوض البحر المتوسط، لذلك ليست هناك حاجة لإيجاد مبادرات جديدة.”

Countries

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى