أخبار وتقارير

أزمة جامعة بيرزيت الفلسطينية مستمرة.. والعملية التعليمية أكبر الخاسرين

تعيش جامعة بيرزيت الفلسطينية حاليًا أزمة محتدمة، تتعثر خلالها العملية التعليمية بمختلف صورها، فلا الطلبة استكملوا مناهج الفصل الدراسي الراهن، ولا الأساتذة أنهوا خططهم البحثية، في واقع معقد تتداخل فيه عوامل عدة.

الجامعة التي مددت، لأكثر من مرة، قرارات وقف الدراسة بكلياتها، بسبب إغلاق كتل طلابية أبوابها أمام الدارسين، شهدت الأسبوع الماضي، اقتحامًا من قوات إسرائيلية، اعتقلت خلاله خمسة طلاب، في واقعة اعتبرتها حركات طلابية «تخاذلًا»، من الجامعة، في الدفاع عن المعتقلين، إلى جانب تهمة تواجهها إدارة الجامعة بـ«التضييق» على أنشطة الطلاب.

وتنشط في الجامعة، ست كتل طلابية، هي: الكتلة الإسلامية التابعة لحركة حماس، والقطب الطلابي الديمقراطي التقدمي التابع للجبهة الشعبية، وكتلة الوحدة الطلابية (الجبهة الديمقراطية)، وكتلة فلسطين للجميع (جبهة النضال الوطني)، وكتلة الاتحاد (حزب الشعب)، والشبيبة الطلابية التابعة لحركة فتح. وتصنف إسرائيل اثنتين من هذه الكتل، كمنظمات إرهابية، وهما: الكتلة الإسلامية (منذ العام 1992)، والقطب الطلابي (2020).

ويقول وليد حماد، طالب في السنة الرابعة في كلية الأعمال والاقتصاد بجامعة بيرزيت، لـ«الفنار» إن تصاعد الهجمات من قوات الاحتلال على الجامعة هدفه تجميد أنشطة الحركات الطلابية، مشيرًا إلى أن الهجوم الأخير جاء بالتزامن مع تنسيق الحركة لإحياء ذكرى تأسيس حركة حماس.

«يوجد إجماع مطلق بين الفلسطينين، بأن جامعة بيرزيت مؤسسة مهنية، وتشجع الحريات، لكن المشكلة الأخيرة أثارت بعض التشكيك في وطنية الجامعة، والتي انعكست على تشدد الطلاب في اعتصامهم».

مصطفى جرار
أستاذ الذكاء الاصطناعي وحوسبة اللغة – جامعة بيرزيت

ويضيف «حماد»، وهو أحد المنسقين السابقين للكتلة الإسلامية، أن قوة الحركة الطلابية في بيرزيت «تكمن في فرض نفسها كقوة سياسية ونقابية، وهي المسألة التي تزعج السلطات»، مشيرًا إلى أن المختلف هذه المرة هو «تجاهل إدارة الجامعة دعم الحركة الطلابية في قضايا سياسية ووطنية، والتهاون مع مسألة اعتقال طلابها من داخل الحرم الجامعي».

ووفق الطالب الفلسطيني، فإن الكتل الطلابية – عدا الشبيبة – حددت مطالبها، في عدة بنود، أبرزها: «إقالة عميدة شؤون الطلبة، والمتحدث الرسمي للجامعة، ووضع عدة ضمانات قانونية لضمان حرية الأنشطة الطلابية في الجامعة»، وذلك مقابل فض الاعتصام الطلابي المستمر أمام البوابات الخارجية للجامعة، بما يسمح باستئناف العملية التعليمية.

وتقول هنادا خرمه، مسؤولة حملة «الحق في التعليم» بجامعة بيرزيت، لـ«الفنار» إن أنشطة الطلاب النقابية كافة، «صارت مستهدفة على اختلاف خلفياتها السياسية، وهي المسألة التي يجب أن تجد دعمًا كافيًا من إدارة الجامعة». وتضيف أن «التخوف الرئيسي لدى قطاع واسع من الأساتذة والطلبة، هو تحرك الإدارة، لتجريد الجامعة من الصفة السياسية للمؤسسة، والتي كانت دومًا ميزة رئيسية في تاريخ الجامعة النضالي».

وتتساءل «خرمه»، وهي عضو هيئة أكاديمية بقسم الفلسفة والدراسات الثقافية: «هل تريد الإدارة الجامعة، كمؤسسة علمية أكاديمية فقط، أم كمؤسسة تعليمية وكفضاءٍ مُسيّس؟».

في المقابل، رفض المتحدث باسم الجامعة، غسان الخطيب، في اتصال هاتفي مع «الفنار» التعليق بشأن اتهامات الطلبة لإدارة الجامعة، مكتفيًا بالتأكيد على وجود «تحركات لممثلي الجامعة من أجل احتواء الغضب الطلابي».

من جانبه، يقول  مصطفي جرار، أستاذ الذكاء الاصطناعي وحوسبة اللغة بالجامعة، لـ«الفنار» إن إدارة الجامعة «في مأزق كبير الآن»، في ضوء صعوبة موقفها في إقالة عميدة شئؤن الطلبة، فضلًا عن «تألم الإدارة من اتهام الطلبة لها بأنها لم تعد جامعة وطنية، في ضوء تخاذلها مع مطالب الحركة الطلابية».

ويضيف: «يوجد إجماع مطلق بين الفلسطينين، بأن جامعة بيرزيت مؤسسة مهنية، وتشجع الحريات، لكن المشكلة الأخيرة أثارت بعض التشكيك في وطنية الجامعة، والتي انعكست على تشدد الطلاب في اعتصامهم، ورفض الدخول في أي حوار مع إدارة الجامعة».

«الحل لهذه الأزمات التي تعيشها الجامعة يكمن في اقتراح آليات فاعلة، لإعادة بناء الثقة بين مكونات الجامعة، من خلال تطبيق القوانين على الجميع دون استثناء، وتوسيع مجلس الجامعة».

عبد الرحمن كتانة
أستاذ مساعد بكلية الهندسة – جامعة بيرزيت

ويسعى عدد من الأكاديمين بالجامعة إلى الوساطة بين الإدارة والحركة الطلابية، لحل الأزمة القائمة بينهما، واستئناف العملية التعليمية، بحسب «جرار».

الدراسة عن بعد بسبب الأزمة

هذه الأزمة التي أوقفت العملية التعليمية أكثر من مرة، اضطرت الأساتذة إلى متابعة الدروس افتراضيًا من خلال برامج التعليم عن بعد، قبل أن تتوقف هي الأخرى، نتيجة إضراب الطلاب بعد اعتقال زملائهم.

لذلك، لم يتمكن الأساتذة من إكمال المقررات الأكاديمية للفصل الدراسي الراهن، وخاصة مع تعذر شرح بعض الدروس المهمة لطلاب الكليات العملية. وعن ذلك، يقول «جرار»: «كثرة التعطيل في الجامعة سيجعل الكثير من الطلبة والأساتذة يفكرون بالسفر إلى الخارج».

وبالمثل، يقول عبد الرحمن كتانة، أستاذ مساعد بكلية الهندسة بالجامعة، لـ«الفنار» إن الأزمات المتلاحقة بين إدارة الجامعة، والحركة الطلابية من جهة، وبين الإدارة ونقابة العاملين من جهة ثانية، يدفع الأساتذة إلى «مراجعة حساباتهم في صوابية اختيارهم لجامعة بيرزيت للعمل فيها».

ويضيف أنه، مع آخرين من أساتذة الجامعة، لا ينظرون إليها كفرصة عمل، بل كبيئة، ومؤسسة يستطيع من خلالها تأدية دور أكبر في بناء مجتمع فلسطيني صحي ومقاوم، فإذا تراجعت هذه البيئة، وصارت مجرد مكان للعمل، فإنه «بكل تأكيد» يبدأ بالتفكير في البحث عن مكان عمل في ظروف أفضل وأكثر استقرارًا.

 أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.  

وتتسع خسائر العملية التعليمية، جراء اضطراب الأوضاع بالجامعة، لتشمل، إلى جانب إعاقة التدريس، إرباك خطط الأساتذة للقيام بأعمال بحثية، أو مشاريع أكاديمية خارج أوقات الدوام، والتي تتعرض للإعاقة والفشل أحيانًا، بسبب وضع الأساتذة، في انتظار غير واضح المعالم، وفق «كتانة».

ويرى الأستاذ المساعد بكلية الهندسة، أن الحل لهذه الأزمات التي تعيشها الجامعة يكمن في اقتراح آليات فاعلة، لإعادة بناء الثقة بين مكونات الجامعة، من خلال تطبيق القوانين على الجميع دون استثناء، وتوسيع مجلس الجامعة ليشمل رئيس نقابة العاملين ونائبه، بالإضافة إلى رئيس مجلس الطلبة، ونائبه، الأمر الذي من شأنه سد فجوة الثقة بين الحركة الطلابية ومجلس الجامعة.

ويعتبر «كتانة» أن المشكلة بجامعة بيرزيت «نسخة مصغرة» من الأزمة التي تعيشها فلسطين من «تشكيك مستمر، واتهامات مبطنة، وسوء الظن الذي يفتك بمجتمع الجامعة فتكًا، وهي عملية غير طبيعية، ويبدو أنها مدروسة ومفتعلة»، على حد تعبيره.

Countries

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى