أخبار وتقارير

عميد جامعة نورثويسترن في قطر مروان الكريدي لـ«الفنار»: ليس هناك عدو لخلق المعرفة أسوأ من الاندفاع والتسرع

على أمل تعزيز وصول، وتأثير أبحاث أعضاء هيئة التدريس والطلاب لديها، وموادهم الإعلامية، أطلقت جامعة نورثويسترن في قطر، مؤخرًا، معهدًا لـ«الدراسات المتقدمة في الجنوب العالمي».

ويهدف المعهد إلى التخفيف من نقص تمثيل الباحثين، من الجنوب، في إنتاج المعرفة العالمية، وتعزيز الإبداع المحلي للمعرفة القائمة على الأدلة، وإقامة التبادل الفكري والتعليمي بين بلدان الجنوب، وفق مروان الكريدي عميد الجامعة.

في مقابلة مع «الفنار»، يتحدث الدكتور «الكريدي»، الأستاذ السابق في الاتصالات بجامعة بنسلفانيا الأمريكية، حول طرق معالجة نقص تمثيل الباحثين من الجنوب العالمي، وإنتاج المعرفة، والتغطية الإعلامية، والتعليم والبحث في العصر الرقمي. ويقول عميد الجامعة إنهم يطمحون لجعل هذا المعهد «انعكاسًا للطبيعة المميزة» لجامعة نورثويسترن في قطر، باعتبارها جامعة أمريكية للفنون الليبرالية، وواحدة من أفضل 10 جامعات أمريكية في العالم، مقرها الدوحة، بحسب تعبيره.

تعريف الجنوب العالمي

في البداية، يقدم عميد الجامعة تعريفًا لما يعينه الجنوب العالمي، فيقول إنه يعني العديد من الأمور، فالمصطلح، من بعض النواحي، وريث لمفهوم العالم الثالث، ومن الواضح أنه غربي المصدر ومن تركات الحرب الباردة التي قسمت العالم إلى الغرب، والشرق الشيوعي، والعالم الثالث. لذا، دعونا نعرّف أنفسنا على الرغم من الإرث الجيوسياسي والتاريخ الاستعماري المشترك.

ويتساءل «الكريدي»: هل يشمل الجنوب العالمي البلدان الفقيرة فقط؟ قبل أن يجيب: وفق هذا التعريف، فإن الكثير من دول الخليج وآسيا ليست كذلك. الجنوب العالمي هو كل ما سبق، لكنه أكبر من مجموع أجزائه. إنه فئة تحليلية تبحث في مجموعة متنوعة من التواريخ وعلاقات القوة وتركز على التجارب من الجنوب. إذا كان لدينا طالب يكتب عن باكستان، فنحن نشجعه على نقل ما يبدو عليه ذلك من منظور باكستاني. حتى وقت قريب، تمت كتابة الكثير من التاريخ الباكستاني من منظور بريطاني، كما تمت كتابة الكثير من التاريخ الجزائري من منظور فرنسي.

ويتابع: الجنوب العالمي تصنيف تاريخي وسياسي وثقافي، والأهم من ذلك، اتساع تجريبي يربط البلدان التي كانت في الماضي منفصلة عن بعضها البعض، لأن الطريقة الوحيدة التي تمكنت من خلالها من التواصل، كانت عبر المدن الاستعمارية، إذ تم ربط البلدان التي خضعت إلى الإمبراطورية البريطانية عبر لندن، كخط اتصال مباشر مفترض بدلاً من الاتصال ما بين بلدان الجنوب.

سرد القصص المبني على الأدلة

وفيما يتحدث «الكريدي» عما يصفه بسرد القصص المبني على الأدلة، يقول إن كل ما يقومون به، قائم على الأدلة ويتبع أكثر معايير التميز الأكاديمي صرامة وتقدمًا. ويضيف أنه يمكن للبعض نشر أبحاثهم بالحبر والورق، فيما ستشمل الأساليب الأخرى لإنتاج المعرفة الأفلام الوثائقية. ويستطرد: سيكون العمل علميًا وأكاديميًا للغاية، لكن سرد القصص يعني التعبير عن نتائج البحث بطرق أفضل. إنه معهد يركز على الطلاب.

«الجنوب العالمي تصنيف تاريخي وسياسي وثقافي، والأهم من ذلك، اتساع تجريبي يربط البلدان التي كانت في الماضي منفصلة عن بعضها البعض، لأن الطريقة الوحيدة التي تمكنت من خلالها من التواصل، كانت عبر المدن الاستعمارية».

مروان الكريدي
عميد جامعة نورثويسترن في قطر

وعما إذا كان المعهد محاولة لتحدي المركزية الأوروبية والقوالب النمطية، يقول الدكتور مروان الكريدي إن المسألة دائمًا «عبارة عن طريقة لمواجهة» المركزية الأوروبية. ويضيف: أي شيء يتحدى، بحكم تعريفه سيتحدى الصور النمطية. انظر إلى المجلات العلمية. عندما تنظر إلى من يقوم بالنشر، فإنك تدرك أن المجموعة الأكبر التي تروي القصص هم أشخاص يروون قصصًا عن الآخرين.

الإعلام المحايد.. والتعلم الآلي

وبصفته أستاذًا في الاتصالات، أجابنا «الكريدي» عن سؤال حول تقييمه للتغطية الإعلامية الغربية للشرق الأوسط، قائلًا: لا يوجد شيء اسمه الإعلام المحايد. إنها مثالية لكنها غير موجودة على أرض الواقع. من الواضح أن وسائل الإعلام، في كل مكان، تتشكل من خلال اهتمامات، وطرق معرفة ورؤية الأشخاص الذين يديرونها. أعتقد أن في إمكاننا الحديث عن الدقة، والصدق، والعدالة في التمثيل، والدقة في طريقة الإبلاغ عن الأحداث، لكن ليست هناك موضوعية لأنك دائمًا ما تنقل الخبر من منظور معين.

ويضيف: اعتاد الناس على القول إن ذلك سببه تحيز بشري. الآن، نحن نعلم أن التعلم الآلي يضم كمًّا لا يعقل من التحيزات. الخوارزميات أكثر تمييزًا من البشر. وبالطبع، وسائل الإعلام الغربية مصطلح كبير، ولكن هناك أجزاء معينة من العالم يتم تمثيلها بشكل أفضل، وهناك مناطق أخرى لديها وسائل لتمثيل الآخرين، أكثر من الآخرين أنفسهم.

المعرفة أكثر أهمية من البيانات

وعن مشكلة نقص البيانات والإحصاءات في الشرق الأوسط، يرى «الكريدي» أن المعرفة أكثر أهمية من البيانات؛ فالمعرفة – كما يقول – هي البيانات التي يتم تحليلها وتفسيرها وتركيبها. قد تمتلك جميع البيانات في العالم، ولن تساعدك على فعل أي شيء ما لم يتم تحليلها، ودمجها في أطر تحليلية شاملة، حتى تتمكن من الإجابة على ما يعنيه ذلك. يتعلق الأمر بنقص الأشخاص المدربين الذين يمكنهم إخبارنا بما تعنيه البيانات وإجراء اكتشافات جديدة حول معنى البيانات.

«المعرفة أكثر أهمية من البيانات؛ فالمعرفة هي البيانات التي يتم تحليلها وتفسيرها وتركيبها. قد تمتلك جميع البيانات في العالم، ولن تساعدك على فعل أي شيء ما لم يتم تحليلها».

مروان الكريدي  

وحول الأثر الذي خلفته الأدوات الرقمية على البحوث، تحدث عميد جامعة نورثويسترن في قطر، بالقول إن التقنيات الرقمية جعلت البحث أفضل وأسوأ في الوقت ذاته. لقد جعلت التكنولوجيا البحث أفضل من خلال منح الباحثين إمكانية الوصول إلى الأشخاص، والمؤتمرات، والندوات التي كانوا سيضطرون إلى إنفاق آلاف الدولارات وأيام سفر عديدة لحضورها. الآن الأمر يتعلق بنقرة. نحن بحاجة للحفاظ على ذلك حتى بعد زوال الوباء.

ومع ذلك – يضيف أستاذ الاتصالات – قد تكون السرعة التي تتيحها الاتصالات الرقمية، في كثير من الأحيان، أسرع بكثير مما هو مطلوب لإنتاج بحث تحليلي عالي المستوى، يتوافق مع أفضل معايير التميز الأكاديمي. يستغرق البحث الممتاز وقتًا. وقد يستغرق إنجاز كتاب نموذجي رائع 10 سنوات، والآن، يعتقد الناس قائلين: أنا أكتب شيئًا ما، وأنشره عبر الإنترنت، وهذا بحث.

يشعر بعض العلماء بالضغط لضرورة القيام بشيء مهم. وليس هناك عدو لخلق المعرفة، أسوأ من الاندفاع والسرعة والتسرع. أخشى أننا نفقد بعضًا من ذلك في العصر الرقمي، يقول «الكريدي».

المقابلات عن بعد والزيارات الميدانية

وفي نقطة ذات صلة، سألناه عن تصوره لإمكانية اعتماد باحثي الأنثروبولجيا والدراسات الإثنوغرافية، على مقابلات عبر تطبيق «زووم»، كمثال، بدلًا من الزيارات الميدانية، فأجابنا: بالنسبة للعديد من موضوعات البحث، لا يوجد بديل عن الظهور فعليًا، والتواجد هناك، وشمّ الروائح، ومشاهدة المعارك، وسماع الأصوات، والتحدث إلى الناس. من ناحية أخرى، ما الأفضل؟ عدم إجراء البحث على الإطلاق أو إجراء مقابلات مع 20 شخصًا عبر تطبيق «زووم»؟ إنه ذات النوع من البحث، لكنه لا يستجيب لنفس المستوى من المشاركة التجريبية والصرامة الأكاديمية. لكنه أفضل من لا شيء.

 أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.  

وعن التأثير المرتقب للمعهد الوليد، يقول الدكتور مروان الكريدي إن من أهم ما يتعلق بالمؤسسات أنها تجعل المجتمع مدركًا لذاته. ويضيف: سيجد الكثير من الأشخاص المهتمين بالجنوب العالمي، ووسائل الإعلام العربية، والصلات بين العالم العربي وأفريقيا، أو آسيا، أو أمريكا اللاتينية، بيتًا لهم في هذا المعهد.

تم تحرير هذه المقابلة بهدف الإيجاز والوضوح

Countries

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى