رأي

ما وراء التصنيفات العالمية للجامعات.. رؤية أكاديمية عربية

(الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء شخصية للكاتب ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الفنار للإعلام).

تم الإعلان مؤخرًا عن أن أول تصنيف عربي للجامعات العربية، سيظهر للنور مع نهاية العام الجاري، من خلال اتحاد الجامعات العربية، الذي يضم حاليًا 450 جامعة عربية.

سيسعى الاتحاد ليصبح هذا التصنيف عالميًا خلال عامين من الآن، حيث بدأت الأمانة العامة للاتحاد، بالفعل، في تنفيذ استراتيجية مهمة منذ عام 2019، مدتها عشر سنوات، تهدف إلى العمل على الارتقاء، بشكل حقيقي، بمستوى الجامعات العربية، ورفع شأنها، حتى تصل إلى مستوى الجامعات العالمية.

كان أول سؤال مشروع في هذه الاستراتيجية، هو: كيفية رفع مكانة، وتصنيف الجامعات العربية عن طريق النشر العلمي، خاصة أن الجامعات العربية لديها ثروة معرفية كبيرة في العلوم الإنسانية، لكن التصنيفات الدولية لا ترى هذا الإنتاج المتميز للجامعات العربية، ولا يصل هذا الإنتاج العلمي إلى العالم بالقدر الكافي لأن أغلب معاملات التأثير تصدر عن دوريات ومجلات أجنبية؛ لذا تم بالفعل توقيع اتفاقية مع المؤسسة المالكة لقاعدة بيانات «سكوبس» لإدراج المجلات العلمية الصادرة عن الجامعات العربية بقاعدة البيانات الشهيرة.

وقد أقر اتحاد الجامعات العربية تأسيس منصة للمجلات الصادرة من الجامعات العربية، سواء كانت باللغة العربية، أو باللغات الأجنبية، واتفق أيضًا على أن يكون لديه مجلس استشاري مثيل للمجلس الاستشاري لقاعدة بيانات «سكوبس»، لمساعدة المجلات، وإعدادها لكي تتوافق مع المعايير المطلوبة والموجودة في نفس قاعدة البيانات.

من المعروف أن التصنيفات الحالية، تقارن جامعات غير قابلة للمقارنة أصلًا، بسبب البون الشاسع بينها في كثير من الأمور، وإهمال الإنتاج المعرفي بغير اللغة الإنجليزية

سيراجع هذا المجلس، المعايير الشكلية والفنية، وسيعمل على التوصية بدخول المجلات العلمية في قاعدة البيانات، ما من شأنه مساعدة المجلات العلمية، بلا شك، في تحقيق هذا الهدف، كما سينعكس مباشرة على وجود الجامعات العربية في التصنيفات العالمية. وقد بدأ تنفيذ المشروع بالفعل، وتوجد حاليًا مجموعة من المجلات العلمية العربية على منصة الاتحاد، ويمكن لأي باحث الدخول على موقع اتحاد الجامعات العربية للاطلاع على هذه المنصة، والتي سيكون لها تأثير كبير جدًا في التصنيفات المستقبلية.

أول تصنيف عربي للجامعات

يوجد في العالم أكثر من 30 ألف جامعة ومعهد عال، في 238 دولة. ويتم، سنويًا، تقييم وتصنيف عدة آلاف منها لاختيار أفضلها من خلال نحو 20 تصنيفًا دوليًا للجامعات، وتستشهد الجامعات العربية بتصنيفات من الصين، وأوروبا، وأمريكا. وأبرز هذه التصنيفات، هي: تصنيف شنغهاي الصيني، وتصنيفان إنجليزيان، وتصنيف أمريكي، وتصنيف تايواني، وتصنيف إسباني، وتصنيف أسترالي، وتصنيف إماراتي، بالإضافة إلى تصنيفات أخرى.

ونحن بالقطع في حاجة ليكون لدينا التصنيف العربي الذي يتوافق أولًا مع المعايير الدولية، وفي نفس الوقت يراعي ظروف الجامعات العربية على وجه الخصوص.

ومن المعلوم أنه يتم وضع معلومات واضحة عن إمكانيات الجامعات التعليمية والبحثية، وخدماتها للمجتمع على مواقع التصنيفات العالمية، وعقد مقارنة لأداء هذه الجامعات، مما يجعل معظم الجامعات تتسابق وتفتخر بتفوقها، وعادة ما تكون الجامعات حريصة على إدراجها ضمن التصنيفات العالمية، لأن تقدمها في التصنيفات الدولية يساهم في استقطاب الطلاب المتفوقين والوافدين للالتحاق بها للدراسة ولضمان توظيف خريجيها، وإمكانية استكمال دراساتهم العليا في أرقي الجامعات العالمية، والحصول على وظائف مناسبة، وجذب الأساتذة المتميزين للتدريس بها.

معايير جديدة للتصنيف العربي

يساعد تصنيف الجامعات المرتقب أيضًا في الحصول على تمويل للمشروعات البحثية، وزيادة الدعم المادي من جهات متنوعة، تبعًا للسمعة الطيبة للجامعة المصنفة عالميًا.

كما أصبح دخول الجامعات ضمن التصنيف العالمي، أحد شروط اعتماد وزارات التعليم في بعض الدول للموافقة على تأسيس شراكة، أو إنشاء فروع لجامعات أجنبية بها، ولهذا، فإن الإعلان عن أول تصنيف عربي للجامعات العربية، في المؤتمر العام لاتحاد الجامعات العربية، الذي انعقد في ضيافة جامعة عمان الأهلية بالأردن، في آذار/مارس الماضي، وشارك فيه عدد كبير من الجامعات العربية، هو خطوة مهمة في طريق تأسيس تصنيف جديد للجامعات العربية.

وبحسب ما أعلن في المؤتمر، سيتميز التصنيف العربي، عن بقية التصنيفات العالمية الأخرى، بمعايير جديدة، لأول مرة، تقيس مدى تميز الجامعات العربية في مجال الابتكار، والإبداع، والريادة. وهذا المعيار لا يوجد في أي تصنيف من التصنيفات الدولية.

هل تفيد التصنيفات الدولية الجامعات العربية؟

من مساوئ التصنيفات أيضًا، أن بعض الجامعات يمكن أن تتبع أساليب ملتوية، وتدفع أموالًا لتتعاقد مع «أساتذة مشهورين»، من أجل رفع رصيدها وسمعتها لتحقيق تلك الغاية، مما جعل فكرة التصنيف الجامعي هوسًا وهدفًا بحد ذاته

من المتوقع أن يساعد التصنيف العربي الجديد، الجامعات العربية على تنشيط الإبداع والابتكار لديها، وذلك لتنمية المجتمع، لأن البحث العلمي في الجامعات هو الذي يؤدى إلى تطور المجتمعات وتنميتها، كما سيساهم هذا المشروع في أن يكون للمنطقة عربية الإسهام الخاص بها في التصنيفات العالمية، وسيحدد هذا التصنيف، عند اكتماله، موقفنا نحن أيضًا كجامعات عربية من مستوى بقية الجامعات العالمية في نهاية الأمر.

وجدير بالذكر أنه طرأ الكثير من التحسن النوعي والكمي على بعض الجامعات العربية في السنوات الأخيرة، ولكن لا يزال الكثير منها يعاني من صعوبات جمة، تعوق أحيانًا سير العملية التعليمية والنشاطات البحثية فيها، إما بسبب ضعف الموارد المادية أو البشرية، أو كليهما، أو لأسباب أخرى متشابكة ومعقدة تؤدي في نهاية المطاف إلى غياب رؤية علمية واضحة لهذه المؤسسات، ونقص الكوادر المؤهلة للعمل على مشاريع تطويرية إنمائية، والى ضعف المساهمة في بناء مجتمع معرفي يشارك في إيجاد حلول علمية، وعملية مناسبة للمشكلات التي تعاني منها المجتمعات العربية.

وبغض النظر عن نتائج أي ترتيب جامعي من الناحية المادية والعددية، فإن تصنيفات الجامعات موضع انتقاد من قبل كثير من الهيئات والمؤسسات الدولية، فهي تعتمد على تصنيف ومقارنة جامعات مختلفة في كل شيء تقريبًا، بما في ذلك الموارد المادية والبشرية، وعدد ساعات العمل وتواتره، وعدد العاملين ومؤهلاتهم، ونسبة المدرسين والباحثين إلى الطلبة إلخ، وبالتالي فهي مقارنات غير صحيحة لأنها لا تقارن مؤسسات علمية متماثلة في كل شيء، ما عدا الصفات المستخدمة للمقارنة.

ومن المعروف أن التصنيفات الحالية، تقارن جامعات غير قابلة للمقارنة أصلًا، بسبب البون الشاسع بينها في كثير من الأمور، وإهمال الإنتاج المعرفي بغير اللغة الإنجليزية.

أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.

ومن مساوئ التصنيفات أيضًا، أن بعض الجامعات يمكن أن تتبع أساليب ملتوية، وتدفع أموالًا لتتعاقد مع «أساتذة مشهورين»، من أجل رفع رصيدها وسمعتها لتحقيق تلك الغاية، مما جعل فكرة التصنيف الجامعي هوسًا وهدفًا بحد ذاته؛ لأن أهداف التصنيف الجامعي اليوم ربحية أكثر منها تعليمية، أو خدمية. وينبغي، بالأحرى، أن يكون هدف الجامعات العربية هو كيفية تحسين مستوى التعليم فيها، والارتقاء به، وبالبحث العلمي والتأليف، وتحويل الأفكار العلمية والتطبيقية المبدعة إلى مشروعات مثمرة تعود بالنفع على المجتمع، لا أن تبقى حبيسة الكتب والدوريات العلمية. وإن تحقق ذلك، فإن «التصنيف»، أو النوعية الجيدة للجامعات العربية ستكون تحصيل حاصل.

وأخيرًا، لا بد من مراجعة جدية لميزانية البحث العلمي الهادف إلى إيجاد حلول للمشكلات والعقبات البيئية، والصحية، والصناعية، والزراعية في الجامعات العربية، وليس التباهي بالإنفاق على مشروعات مكلفة لا تهم المجتمع من قريب أو بعيد، من أجل الظهور في تصنيف عبثي هنا أو هناك لا يفيد في نهاية المطاف، إلا الجامعات التي تعتمد على رسوم تسجيل باهظة.

وهذه ليست حال معظم الجامعات العربية، والتي يمكن أن تحتفظ بخصوصيتها في مجانية التعليم، ولكن بنفس الوقت، عليها أن تسعى حثيثًا نحو تحسين جودة التعليم، وتخريج طلبة أكفاء مزودين بالعلم والمعرفة والخبرة الضرورية، لإيجاد حلول مناسبة للمشكلات الحالية والمستقبلية، وليس من أجل التفاخر بالظهور في تصنيف هنا أو هناك.

اقرأ أيضًا:

طارق قابيل  أكاديمي، كاتب، ومترجم، ومحرر علمي.

عضو هيئة التدريس – قسم النبات والميكروبيولوجي – كلية العلوم – جامعة القاهرة

عضو لجنة الثقافة والمعرفة وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.

البريد الإلكتروني: [email protected]

الموقع الإلكتروني: http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى