أخبار وتقارير

معرض مصري يستعيد تجربة ويصا واصف في «مدرسة الإبداع الفطري»

عبر نماذج إبداعية متنوعة، يحتفي معرض «ويصا واصف.. مدرسة الإبداع الفطري»، المقام بغاليري أوبونتو بالقاهرة، بتجربة الفنان والمعماري المصري الراحل رمسيس ويصا واصف (1911-1974)، الذي ارتبط اسمه بتعليم الأطفال فنون النسيج.

عُرف رمسيس ويصا واصف، الذي حصل على دبلوم الفن من أكاديمية الفنون في باريس عام 1935، بتصميمات معمارية رائدة، منها تصميمه لمتحف محمود مختار، وكذلك العديد من الكنائس المصرية ذات التصميمات الصرحية الشاهقة، مثل كنيسة المرعشلي، وكنيسة الشهيد مار جرجس، علاوة على عمله الأكاديمي كأستاذ للفنون وتاريخ العمارة بأكاديمية الفنون الجميلة في القاهرة.

المعرض المقام منذ نحو أسبوعين، ويستمر حتى الحادي والعشرين من حزيران/يونيو الجاري، يركز على إبراز تجربة المبدع الراحل، في تأسيس «بيت الفن»، أو ما يعرف بـ«مدرسة ويصا واصف»، في العام 1955، في الحرانية، وهي قرية مصرية على مقربة من أهرامات الجيزة، والتي اختارها «واصف» لنشر فلسفته الخاصة في تعليم فنون الكليم والسجاد.

الفن والبيئة المحلية

«رمسيس ويصا واصف قيمة ورمز من الرموز المصرية الكبيرة في الإبداع المعماري، وفي تجربة تأسيس مدرسة الحرانية بفلسفتها عن الفن الفطري، فقد درس العمارة في فرنسا، إلا أنه استفاد من دراسته بالخارج من أجل تنمية الفن المحلي الذي أحبه».

صلاح بيصار فنان وناقد تشكيلي مصري

ارتبطت هذه التجربة ببيئتها المحلية، حيث تبرز إحدى لوحات المعرض، مشهدًا أفقيًا لحقل نخيل مفتوح يعانق السماء، وأخرى تعج بوجوه ريفية سمراء، وطيور محلقة، وقباب بيوت طينية.

ويقول أحمد الضبع، مؤسس غاليري أوبونتو، لـ«الفنار للإعلام» إن المعرض «محاولة لإلقاء الضوء على فكر الفنان الراحل، وتقديمه لأجيال لم تعرفه، وتأكيد على أن الحرفة فن، وأن الحرفي فنان». كما يُوثّق المعرض الاستيعادي تجربة «ويصا واصف» بعرضه مجموعة نادرة لنساجي المدرسة، ما بين منسوجات صوفية وقطنية، متداخلة الألوان والتصميمات.

عن هذه التجربة، يتحدث الفنان والناقد التشكيلي صلاح بيصار، عما يصفه بـ«عمق الشخصية المحلية، وعبقرية الزمان والمكان التي تظهر في فنون النسيج الفطري لدى رمسيس ويصا واصف».

ويقول لـ«الفنار للإعلام» إن واحدة من أكبر النقلات الفنية التي ابتكرها «واصف»، هو أنه جعل السجاد، المعروف بأنه يستخدم على الأرض، قطعة فنية مُعلقة على الجدران. ويضيف أن قطع السجاد التي أصبحت تُعرف بسجاجيد الحرانية نسبة إلى مدرسة ويصا واصف «كانت سفيرة فوق العادة لمصر في فترة الستينيات، حيث كانت تشغل اهتمامًا عالميًا عند مشاركتها في معارض فنية في دول العالم المختلفة، بكل ما تحمله من ملامح وخصوصية فنية محلية فريدة».

تعليم الفن الفطري

يعتبر «بيصار» أن رمسيس ويصا واصف «قيمة ورمز من الرموز المصرية الكبيرة في الإبداع المعماري، وفي تجربة تأسيس مدرسة الحرانية بفلسفتها عن الفن الفطري، فقد درس العمارة في فرنسا، إلا أنه استفاد من دراسته بالخارج من أجل تنمية الفن المحلي الذي أحبه». ويشير الناقد التشكيلي إلى أن أسرة الفنان الراحل «أخلصت، من بعده، في الاستمرار في تعليم الأطفال وتنميتهم، وشحذ الطاقات التعبيرية لهم، حتى صارت هناك أجيال من الفنانين الفطريين الذين تعلموا في مدرسة ويصا واصف».

اللافت بالنسبة إلى صلاح بيصار في أعمال الفن الفطري المنسوجة هي أن كل عناصر اللوحة مستمدة من البيئة المصرية، بما تتضمنه من الأشجار، والبشر، والحيوانات، والطيور، وبهجة الحياة التي تُطل بأسلوب خاص غير قابل للتكرار.

يضاف إلى ذلك، صناعة اللوحات من نسيج شديد الإحكام، فقطع السجاد، حتى صغيرة الحجم، قد يستغرق صنعها شهورًا، «لأن هدف مدرسة الحرانية هو الفن في ذاته.. الفن الذي لا يبلى، ولا يتقادم مع الزمن، ويظل على درجة نصوعه، بجمالياته المرتبطة بمدرسة ويصا واصف، وكأن اللوحات كلها متناسلة من بعضها، فكل لوحة لها إيقاع، وشكل، وقوام، ولها شخصية»، بحسب تعبير «بيصار».

تشكيلات حرة

بالمثل، ترى الأكاديمية والفنانة التشكيلية سماء يحيى، أن منسوجات رمسيس ويصا واصف، تنتمي لنوع من النسيج يعتمد على خيال النساج في تكوين لوحات، وتشكيلات حرة، لا تخضع لقواعد، إلا لهذا الخيال. وهو أسلوب، يعود تاريخه في مصر إلى جذور ضاربة في القدم، بحسب قولها.

تجربة «الحرانية» ليست مجرد فن فطري، بل تندرج تحت ما أسماه الفنان جان دوبوفيه «الفن الخام»، وهو نتاج أناس، عن غير سابق ثقافة فنية، ما يجعلها تجربة تمثل شخصية مبدعيها، وغير خاضعة لقواعد، أو أسس الفن المعروفة، ولا تجارى التيارات، والأسس الفنية السائدة.

سماء يحيى أكاديمية وتشكيلية مصرية

وتضيف لـ«الفنار للإعلام» أن هذا الأسلوب الفني عُرف في عصر الدولة المصرية القديمة، وآلهة النسيج «تايت»، مرورًا بالعصر الروماني، والعصر القبطي عندما كان الرهبان يقومون بهذا الفن وهم يختبئون من الرومان، وأُطلق عليه «النسيج القباطي»، ليعيد أبناء مدرسة رمسيس ويصا واصف، في عصرنا الحديث، هذا الفن مزدهرًا.

وحول التجربة نفسها، تقول «يحيى»، إن رمسيس ويصا واصف آمن بأن الفن فطرة لدى كل الناس، ولذلك استطاع أن يُخرج من الرجال والنساء في الحرانية، والذين كانوا يعملون بالأجر اليومي في الحقول، أعمالًا فنية عبقرية.

وتشير إلى أن كل ما فعله الفنان الراحل، لتحقيق ذلك، هو تعليم تلاميذه كيفية تصنيع، واستعمال الخامات، والأدوات التي تساعدهم فى التعبير عن فنهم. كما توضح أن «تجربة الحرانية» ليست مجرد فن فطري، بل تندرج تحت ما أسماه الفنان جان دوبوفيه «الفن الخام»، وهو نتاج أناس، عن غير سابق ثقافة فنية، ما يجعلها تجربة تمثل شخصية مبدعيها، وغير خاضعة لقواعد، أو أسس الفن المعروفة، ولا تجارى التيارات، والأسس الفنية السائدة.

وتشرح أكثر آلية عمل نساجي الحرانية، فتقول إنهم – وفي ضوء مفهوم الفن الخام –  لا يضعون المتلقي في حسابهم عندما ينتجون أعمالهم الفنية، ولا يحملون أهدافًا وغايات مادية، ولا يعتمدون طقوسًا محددة، هم يمارسون ما يُطلق الموهبة، ويحررها، بفلسفة ورؤية خاضعة تماما لهوى ومزاج منفذها، على حد قولها.

وفيما يرتبط المشروع التشكيلي للفنانة والأكاديمية سماء يحيى بـ«البحث عن قيم جمالية متجددة مستوحاة من التراث المحلي»، تقول إن أكثر ما يفتنها في الأعمال الفنية النسجية لمدرسة ويصا واصف، هو «القدرة الجبارة» على استدعاء الخيال، وخاصة عند السيدات القرويات.

وتوضح رؤيتها فتقول إن هؤلاء المتشحات بالسواد دائمًا، من الرأس إلى القدم، واللاتي يعشن في مجتمع محدود الصلة بالعالم، يصبغن الصوف بعشرات الدرجات من الألوان، وينتقينها بذوقهن، لينسجن عوالم رائعة متفجرة بالحياة اللونية، من فوق السحاب إلى قاع البحر، بلا تخطيط واضح للعيان، أو إعداد سوى الإعداد الذهني، لمنتج نهائي لا يستطعن رؤيته إلا بعد اكتماله، بعد فترة طويلة جدًا من العمل.

أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.

وتضيف الأكاديمية، الحاصلة على درجة الدكتوراه من كلية التربية الفنية بجامعة حلوان في مصر، أن اللافت في تلك التجربة هو «ذلك الإيمان والثقة في القدرات والخيال». وتقول إنه أمر مدهش ومحفز لأي فنان، عندما تكون بداية خلق هذا العالم، من شلات من الصوف الأبيض، يخلق رويدًا رويدًا ليصبح شخوصًا، وحيوانات، ونباتات، وجنان، وبحيرات، وبيوت، فهذا هو، بالفعل، قمة الخلق الفني المتحرر من جمود التقليد، بحسب تعبيرها.

اقرأ أيضًا:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى