أخبار وتقارير

الباحثة في الآثار أمل قاسم.. مساعٍ في المهجر لتوثيق وحماية مواقع التراث السوري

انطلاقًا من تجربتها العلمية، والمهنية في دراسة الآثار، تركز الباحثة السورية أمل القاسم، جهودها في تنظيم ورش تدريبية، وإنتاج بحوث حول توثيق المواقع الأثرية المتضررة من الحرب في بلادها، وحماية ما تبقى من منها.

وتقول «القاسم»، الحاصلة على الدكتوراه في هذا المجال، من جامعة كولونيا الألمانية، العام الماضي، إن البحث عن التاريخ الضائع «وسط الدمار والنهب الكبير، الذي طال آلاف المواقع الأثرية، ينبغي أن يكون محورًا رئيسيًا» في خطة إعادة إعمار بلدها التي مزقتها الحرب منذ 2011.

الحرب ونهب المواقع الأثرية

وذكر تقرير نشرته مؤسسة «جيردا هنكل» الألمانية، وجمعية حماية الآثار السورية، ومقرها فرنسا، في العام 2020، أن «أكثر من 40 ألف قطعة أثرية نُهبت من المتاحف والمواقع الأثرية منذ بداية الحرب».

وتقترح «القاسم»، في مقابلة عبر «زووم» مع «الفنار للإعلام»، خطة للتعاون بين عدة مؤسسات محلية، ودولية، تضم أكثر من تخصص علمي، إلى جانب الآثاريين السوريين، بهدف توثيق المواقع المتضررة والمنهوبة، من خلال العمل الميداني، أو من خلال قراءة وتحليل الصور الجوية، يعقبها إجراء إسعافات للمواقع الأكثر تضررًا، والتي تشهد على «فترات استيطان نادرة في سوريا».

وتوضح الباحثة السورية أن التوثيق الميداني، والاستشعار عن بعد، تقنيتان يكمل إحداهما الأخرى،  حيث يقدم العمل الميداني تقييمًا دقيقًا لحجم الأضرار، وآلية التعامل معها بشكل علمي، وهو ما لا توفره الصور الجوية. أما تقنية الاستشعار عن بعد، فهي تقدم تسلسلًا زمنيًا واضحًا لتلك الأضرار، في مدى زمني طويل قد يصل إلى عشرة أعوام.

كما تقدم التقنية نفسها تصورًا لمدى انتشار الأضرار جغرافيًا، ومواقعها، وأكثر هذه المواقع تضررًا جراء العمليات العسكرية المصاحبة للحرب، أو عمليات النهب والسرقة، وهي أمور لا يمكن كشفها، والوصول إليها، عبر العمل الميداني، كما تقول «القاسم» الحاصلة على الماجستير من جامعة دمشق، في العام 2013، عن أطروحة بعنوان: «مواقع العصر الحجري القديم في محافظة درعا».

تقترح «القاسم»، خطة للتعاون بين عدة مؤسسات محلية، ودولية، تضم أكثر من تخصص علمي، إلى جانب الآثاريين السوريين، بهدف توثيق المواقع المتضررة والمنهوبة، من خلال العمل الميداني، أو من خلال قراءة وتحليل الصور الجوية.

قبل انتقالها إلى ألمانيا في العام 2015، عملت أمل القاسم كموظفة في المديرية العامة للآثار والمتاحف، التابعة لوزارة الثقافة السورية، وكانت مهامها تشمل توثيق المواقع الأثرية المتضررة شرق مدينة درعا الواقعة في الجنوب السوري.

وقد تمكنت الباحثة السورية، خلال هذه التجربة التي خاضتها، بينما كانت المعارك دائرة في المنطقة، من توثيق ما يقارب 25 موقعًا أثريًا متضررًا، على مدار خمسة أيام متصلة من العمل، رغم الصعوبات الميدانية التي واجهتها، كما تروي في هذه المقابلة.

اهتمام مبكر

بدأ اهتمام أمل القاسم، المولودة في العام 1984، بدراسة الآثار منذ سنوات صباها بمدينة درعا، حيث شاهدت، في وقت مبكر، مواقع أثرية موغلة في القدم «تعاني من الإهمال» في التنقيب بمدينتها. وعندما بدأت مرحلتها الجامعية، كان اختيارها هو دراسة الآثار بكلية الآداب في جامعة دمشق.

قادها الشغف إزاء دراسة الآثار إلى مواصلة مشوارها التعليمي، لإبراز المنطقة التي نشأت فيه، كموقع أثري تعاقبت عليه الحضارات، غير أن هذا الطموح العلمي أعاقته الحرب التي اندلعت في البلاد، في العام 2011. وكان من تداعيات تفجر الأوضاع الميدانية، أنها واجهت صعوبات في الحصول على الأدوات الحجرية اللازمة لإنجاز بحوثها لنيل درجة الدكتوراه.

وفي العام 2015، قررت الانتقال إلى ألمانيا، لتدرس في معهد علم آثار عصور ما قبل التاريخ بجامعة كولونيا، عبر منحة كاملة، من مؤسسة «جيردا هنكل» (Gerda Henkel Stiftung)، ولتتمكن من استكمال بحوثها.

كما تروي جوانب من تجربتها للدراسة في الخارج، بالقول إن مدير هذا المعهد، البروفسور يورغن ريشتر Jürgen Richter ، أتاح لها الوصول إلى الأدوات الحجرية المكتشفة في ملجأ يبرود الأول في سوريا، والمحفوظة في مختبرات المعهد، كما وفر لها «كل سبل الدعم على مدى سنوات كتابة الأطروحة».

وتناولت أطروحتها لنيل الدكتوراه، اكتشاف المجموعات الإنسانية التي عاشت، وانقرضت في منطقة يبرود الجبلية، والواقعة ضمن محافظة ريف دمشق، وكيف تمكنت تلك المجموعات من تأمين طعامها وشرابها، على مدار السنة، متنقلين بين المرتفعات في الصيف، والمناطق المنخفضة في الشتاء، ومكتفين بالمواد المحلية، ومعتمدين عليها بشكل كامل.

وتستعد «القاسم»، راهنًا، لمواصلة رحلتها الدراسية من خلال أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة كولونيا، حول إعداد دراسة توثيقية للمناطق الأثرية المتضررة في جنوب سوريا. وحول الوسائل التي تستخدمها في إعداد الدراسات التوثيقية في ظل غيابها عن سوريا، قالت: «استخدمت تقنية الاستشعار عن بعد لاستكمال رحلة البحث عن المناطق السورية المتضررة، واستكشاف المواقع الأثرية في المناطق محل البحث والدراسة».

دراسة علوم الآثار

وتدعو «القاسم» إلى حث جميع عناصر المجتمع المحلي في سوريا، على تسليط الضوء على أهمية تشجيع الدارسين السوريين للالتحاق بتخصصات مهمة في علوم الآثار، والتي من شأنها أن تساعد في خطط إعادة إعمار المواقع الأثرية المنهوبة، وتوثيق حجم الضرر الذي طالها. وتقول إن غنى السجل الأثري السوري «يستدعي وجود المزيد من الكوادر العلمية في مرحلة إعادة الإعمار، وخاصة من العناصر النسائية التي تثبت، في كل المحافل، قدرتها الفكرية وإرادتها الصلبة على تحليل، ودراسة مجتمعات منقرضة عن طريق المخلفات التي تم اكتشافها».

أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.

وتضيف الباحثة السورية أن الاهتمام بمواقع التراث السوري، وحمايته، ازداد خلال سنوات الحرب، سواء على الصعيد المحلي، أو على الصعيد الدولي، غير أن البحث الأثري والتنقيب «توقف بسبب تداعيات الحرب، وخروج بعض المناطق عن السيطرة، وانتشار الفوضى في مختلف أنحاء سوريا».

وتشمل خطط «القاسم» المستقبلية، بعد استكمال دراساتها الأكاديمية، العودة إلى سوريا لإجراء المزيد من الزيارات الميدانية للمواقع الأثرية، وتوظيف جهودها في معالجة ما وقع من تلف. وتختتم مقابلتنا معها بالقول: «العودة إلى سوريا حلم كل سوري، وكل آثَارِيّ بشكل خاص، فسوريا قبلة علماء الآثار الغربيين، فكيف لا تكون كذلك بالنسبة لمواطنيها الباحثين؟».

اقرأ أيضًا:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى