رأي

ثلاث خطوات من أجل جامعة جزائرية تواكب المستقبل

(الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء شخصية للكاتب ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الفنار للإعلام).

لا تخلو النقاشات القائمة حاليًا، حول المعضلات المنهجية والمؤسساتية لهندسة اقتصاديات التعليم العالي، في الجزائر، من أسئلة حيوية ومستمرة حول دور الجامعة في البناء الوطني، والتغيير القائم على مقاربة التكيف الوظيفي، ومنطق التعامل الذكي مع مشكلات الحاضر، وتحديات المستقبل.

وبقدر ما شكل ذلك إرهاصات مترتبة عن مصفوفة المخاطر الناجمة عن عالم متشابك ومعقد ومعولم أكثر، بقدر ما تنتج مدخلاته مجتمعة، فرصًا لتشكيل مجتمعات أكثر استدامة، وتنوعًا، وكفاءة في الاستجابة لمختلف هذه التحديات، وآليات تحييدها، ومجابهتها.

تشكل الجامعة الجزائرية إحدى المرجعيات الجامعة للهوية الوطنية بمختلف مكوناتها الثقافية، والاجتماعية والاقتصادية. ومنذ فترة ما قبل الاستقلال إلى يومنا هذا، شكلت هذه الجامعة فضاءً عموميًا تراوح بين الانغلاق تارة، والانفتاح تارة أخرى إزاء التفاعلات التي تزداد حدتها داخليًا ودوليًا، مع تزايد الاعتماد المتبادل بين شبكة الفاعلين الدوليين، وغير الرسميين، لاسيما في ظل اقتصاد المعرفة، والعولمة الرقمية، والتوجه نحو نمذجة الاقتصاد العالمي، ونظم التعلم والتعليم، وتراكم الشروط المؤسسة لمواطنة عالمية/كونية.

انطلاقا مما تقدم، هل يمكن الحديث عن إمكانات لصناعة المستقبل من قبل جامعاتنا، وبناء تنافسية ضامنة لتطور الأداء المؤسساتي لكافة روافد المجتمع وطاقاته؟ وأي دور للجامعة الجزائرية في ظل عالم تتشكل مساراته وفق قاعدة: «التسيير المحلي والتفكير العالمي»؟

لا تنطلق إجابتنا عن هذه الأسئلة من ضوابط أكاديمية تتطلبها منهجية التفكير العلمي، بل من هدف يتوخى إحاطة الرأي العام، لاسيما النخب، بالأدوار المنوطة به، وتحمل مسؤولياته المجتمعية بكل اقتدار.

تأسيسًا على ذلك، يتمثل جانب مهم من الإجابات، على ما تقدم ذكره من أسئلة، في جوانب ثلاث، وهي: تعزيز الحوكمة لدى المؤسسات، وإشراك الجامعة في ديناميكية الاقتصاد الوطني، وخلق إطار مناسب للجامعة المبادرة.

أولًا: تعزيز الحوكمة

ساهم التصنيف العالمي للجامعات في خلق حافز للتنافسية الجامعية على المستوى الوطني، ولو من الجانب الشكلي، كما أن منطق التحول من الكم إلى تكريس ثقافة ضمان الجودة داخل التعليم العالي، شكّل كذلك طموحًا متزايدًا لدى شبكة واسعة من المهتمين.

تعتبر الحوكمة منطقًا للتسيير قائم على العقلانية، والشفافية، والتشاركية. وثمة مقاربات عدة لتطور المفهوم من حقل الاقتصاد إلى الحقل السياسي وحتى الأخلاقي، إذ أصبح الحديث يدور حول الحوكمة الأخلاقية، لكن ما يهمنا في هذا الصدد هو الحوكمة الجامعية، حيث يسمح لنا التقدير الزمني لهذا المفهوم، بتحديد توقيت أول توظيف له في الحقل المؤسساتي والخطاب الرسمي لقطاع التعليم العالي، بالجزائر، بداية من الندوة الوطنية الموسعة للجامعات، ومن ثم انتقاله إلى القطاع الاجتماعي والاقتصادي. ومنذ بدايات عام 2010 أصبح الحديث عن حوكمة التعليم العالي والخدمات الجامعية، بل وحوكمة الحياة الطلابية ضمن اهتمامات القائمين على القطاع.

في الحقيقة، تزامن هذا الخطاب، مع الحديث عن أجيال الجامعات، وفق مؤشرات تصنيف وقياس محددتين، فضلًا عن متطلبات تكنولوجية ومؤسساتية ومرجعية. كما ساهم التصنيف العالمي للجامعات في خلق حافز للتنافسية الجامعية على المستوى الوطني، ولو من الجانب الشكلي، كما أن منطق التحول من الكم إلى تكريس ثقافة ضمان الجودة داخل التعليم العالي، شكّل كذلك طموحًا متزايدًا لدى شبكة واسعة من المهتمين بها نظريًا، وعبر مبادرات لإصلاح المناهج، وتكريس هندسة بيداغوجية (تربوية) جديدة تؤسس لهذه الثقافة.

والحوكمة الجامعية تتجاوز أطر المؤسسات، لتركز أكثر على الجانب الأخلاقي في الفعل التسييري داخل الجامعة، وتكريس قواعد سلوك تضمن الشفافية، والتوجه نحو جامعة مفتوحة، مع عقلنة، وترشيد القرار، ومشاركة مختلف المتداخلين فيه.

ثانيًا: إشراك الجامعة في ديناميكية الاقتصاد الوطني

تضم الجامعة الجزائرية شبكة كبيرة، ومتنوعة من مراكز البحث، والمخابر، ومدارس عليا وطنية، وتحضيرية ومدمجة. وإلى جانب هذا التطور الكمي، ثمة مساعٍ لتعزيز النهج التشريعي، وتحسين كفاءة الإطار التنظيمي، من خلال مراجعة القوانين الأساسية المتعلقة بالجامعة، والجماعة التربوية.

وفي تقديرنا أن ثمة مجهودات أكبر تحتاجها ديناميكية هذه المقاربة القائمة على التوجه نحو جامعات قائمة على الاستثمار في المعرفة، فجامعات المستقبل تحتاج إلى مؤسسات ذكية ومنطقية أيضًا، بما يتجاوز التركيز التقليدي على الرسالة التربوية للجامعة، إلى صناعة المستقبل، واستشراف الفرص الواعدة فيه، بل والمساهمة في خلقها، وتصديرها للمجتمعات داخليًا ودوليًا.

الحوكمة الجامعية تتجاوز أطر المؤسسات، لتركز أكثر على الجانب الأخلاقي في الفعل التسييري داخل الجامعة، وتكريس قواعد سلوك تضمن الشفافية، والتوجه نحو جامعة مفتوحة، مع عقلنة، وترشيد القرار، ومشاركة مختلف المتداخلين فيه.

على المستوى الاقتصادي، ثمة مساعٍ حثيثة لتعميق توجه الجامعة نحو توسعة أطر الشراكة مع المحيط الاقتصادي والاجتماعي، لكن هذا التوجه يبدو صعبًا بالنظر إلى محدودية الثقة بين الجانبين، بل والتخوف أحيانًا أخرى من غياب ضمانات جدية تحفظ حقوق كل طرف في هذه المعادلة الجديدة نسبيًا في التعامل بينهما. ويتوقف جانب كبير من أدوات بناء الثقة على تعزيز وحوكمة القانون ذاته، والاستناد إلى قواعد واضحة لحل النزاعات المحتملة بينهما، والاتفاق على ميثاق جديد للتعاون بعيدًا عن الهيمنة، أو الاستعلاء.

ثالثًا: نحو جامعة مبادرة قائمة على الابتكار

تشكل الجامعة المبادرة جيلًا من أجيال الجامعات المرتكزة على المستقبل، والقادرة على الاستفادة من أدوات العولمة التكنولوجية، ومجتمع المعرفة لخلق اقتصاديات قائمة على الاستثمار في التكنولوجيات الحديثة، وتوظيفها لدعم الأمن الاقتصادي للدول، وتعزيز التنافس الاقتصادي لها عالميًا.

ومن هنا، فإن هناك ضرورة ملحة للتوجه نحو الابتكار، وترسيخه ثقافة وممارسة، وخلق جامعة لريادة الأعمال، ودعم الفعل المقاولاتي لدى منتسبيها وتشجيعه، لاسيما أمام ما تتيحه التطورات المذهلة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، والهندسة الحيوية، من فرص هائلة لخلق الثروة، واستدامة النمو وعائداته على مؤشرات التنمية الإنسانية المستدامة.

أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.

في الختام، فإن الجامعة الجزائرية، إلى جانب دورها في صناعة النخب وحوكمة الاقتصاد، عليها واجب خلق الوعي الجمعي والهوياتي، الذي يجمع ولا يفرق، ويصنع ولا يهدم، ويضمن مناعة مستدامة لمجتمعنا، وتوحيد طاقاته للتوجه بقوة نحو مستقبل آمن اجتماعيًا، ومزدهر اقتصاديًا. إن ذلك يمر حتمًا عبر استثمار الجامعة في رأسمالها البشري، والتفات الإرادة السياسية نحو كفاءات التسيير العالية التي تتوفر عليها بعض الإطارات المسيرة لبعض الجامعات، بعيدًا عن مركز القرار، حتى نضمن ممارسة أكاديمية بالجامعة، بطريقة أكثر نجاعة، دفاعًا عن أمن البلد، ومستقبله مجتمعيًا، واقتصاديًا.

اقرأ أيضًا:

*أستاذ القانون العام بجامعة برج بوعريريج، الجزائر

البريد الالكتروني: [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى