رأي

دعوة إلى تدريس التاريخ البيئي ضمن وسائل معالجة التغير المناخي

(الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء شخصية للكاتب ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الفنار للإعلام).

تصيب آثار تغير المناخ جميع أنحاء العالم، بما فيها البلدان التي نجت، حتى الآن، من أسوأ الكوارث الطبيعية. ويصحّ هذا بالنسبة لقطر، التي نجت إلى حدٍ كبير من الحرائق والفيضانات الكارثية التي دمرت أماكن أخرى في السنوات الأخيرة.

وتستضيف الدولة الخليجية الصغيرة، والتي تتمتع بالثراء والاستقرار، أعدادًا كبيرة من الوافدين الذين تعرضت بلدانهم الأصلية للتهديد، بسبب انعدام الأمن الغذائي والمائي، والخسائر الاقتصادية، والصراعات السياسية الناجمة عنها.

ولا يحتاج سكان الدوحة، الذين لم يسافروا إلى أي مكان آخر، سوى للخروج من أماكنهم المكيفة، ليشعروا بحرارة الصيف المهددة للحياة. من الممكن أن يكون لارتفاع درجات الحرارة تأثير ضار حتى على الحيوانات الصحراوية الأكثر تكيفًا مع مناخ شبه الجزيرة العربية.

يعد الاحتباس الحراري مشكلة تتطلب تعاون الباحثين من العديد من التخصصات المختلفة، ويشمل ذلك علوم الطبيعة، والعلوم الإنسانية، والتاريخ واحد منها. ففي النهاية، يتطلب أي توقع للاتجاهات المستقبلية فهمًا شاملًا للتفاعلات السابقة بين البشر وكوكبنا.

دراسة ماضي الشرق الأوسط 

«الاحتباس الحراري مشكلة تتطلب تعاون الباحثين من العديد من التخصصات المختلفة، ويشمل ذلك علوم الطبيعة، والعلوم الإنسانية، والتاريخ أحدها».

لحسن الحظ، تتوافر لدينا باستمرار مجموعة متزايدة من الدراسات حول التاريخ البيئي، والتي تبحث في كيفية تشكيل مجتمعاتنا للطبيعة، والعكس صحيح. يعد الشرق الأوسط منطقة خصبة، على نحوٍ خاص، لمثل هذه الدراسات، بفضل وجود آلاف السنين من السجلات المكتوبة حول إدارة مياه أنهار النيل، ودجلة والفرات، على سبيل المثال. وبالتالي، لا تعد كيفية التعامل مع حالات الجفاف مسألة جديدة.

في ضوء ذلك، ما هي الرؤى التي يمكن أن تقدمها الإمبراطوريات والحضارات الغابرة للشباب الذين نعلمهم؟

على سبيل المثال، تمكنت الإمبراطورية العثمانية، التي امتدت على مساحات شاسعة، من السيطرة على نهري دجلة والفرات من المنبع إلى المصب. أدار العثمانيون هذه المسطحات المائية بطريقة تسمح لهم بنقل الأشخاص، وشحن الحبوب، والمعادن، والأخشاب من الأناضول إلى جنوب بلاد ما بين النهرين.

وذلك الوضع بعيدٌ كل البعد عن الحال اليوم، حيث سيواجه أي قارب يحاول الذهاب من تركيا إلى العراق، عبر سوريا حواجز مادية، وسياسية ضخمة، بما في ذلك السدود المثيرة للجدل. وبالتالي، أصبح نقل البضائع معتمدًا على الشاحنات التي تنبعث منها كمية أكبر بكثير من ثاني أكسيد الكربون لكل طن من البضائع مقارنة بالسفن. ويتيح التاريخ لطلابنا إمكانية تخيل البدائل، وهي خطوة ضرورية لأي إجراء لاحق.

 يضم حي مشيرب قلب الدوحة ممرات مظللة تشبه أروقة العمارة الكلاسيكية. (تصوير: يورغ ماتياس ديترمان).
يضم حي مشيرب قلب الدوحة ممرات مظللة تشبه أروقة العمارة الكلاسيكية. (تصوير: يورغ ماتياس ديترمان).

بالطبع، أنا لا أقترح إعادة الإمبراطورية العثمانية، وهو كيان اعتبره كثيرٌ من الناس قمعيًا. فكما تتم إدارة نهر الدانوب اليوم بشكل جيد بدون آل هابسبورغ، يمكن أن يزدهر نهرا دجلة والفرات بدون آل عثمان. ومع ذلك، يتطلب الحفاظ على هذه المجاري المائية صالحة للملاحة، وخالية من التلوث، أن نتعامل معها كنظم بيئية عابرة للحدود بدلًا من اعتبارها سمات طبيعية تلتزم بمنطق الدول القومية.

دروس من المجتمعات الصغيرة

مع أن التوحيد السياسي (كما هو حال الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال) يمكن أن يساعد في تضافر الجهود، فإن معالجة القضايا الكبرى لا تتطلب وجود دول أو اتحادات كبيرة.

تتمتع العمارة التقليدية، كتلك الموجودة في البلدات والقرى الصغيرة في جميع أنحاء العالم، بميزات مستدامة لا حصر لها. ويشمل ذلك استخدام المواد المتجددة مثل الخيزران والطاقة المتجددة مثل الرياح.

في مشيرب قلب الدوحة، وهو حي أُشجعُ طلابي على استكشافه، تم توجيه الشوارع لالتقاط النسيم البارد من الخليج بينما تظلل المباني معظم طرق المشاة. وبينما يعيش القسم الأكبر من البشر في المدن، إلا أن في الإمكان استلهام دروس الاستدامة من الأماكن البعيدة عن المستوطنات الدائمة.

لقد أتقن البدو كيفية البقاء لفترة طويلة مع حدٍ أدنى من استهلاك المياه. ونظرًا لخلو شبه الجزيرة العربية من الأنهار والبحيرات الدائمة، فقد اعتمد العديد من البدو على حليب الإبل للترطيب. مع استمرار ارتفاع معدلات استدامة اللاكتيز بين العرب، يمكن بسهولة بيع منتجات حليب الإبل في محلات السوبر ماركت والمطاعم. نظرًا لإنتاج الإبل كميات أقل بكثير من الميثان مقارنة بالماشية والماعز، فإن رعايتها أكثر استدامة أيضًا.

«قد لا ينقذ تدريس التاريخ البيئي كوكبنا، لكنني آمل في أن يأخذ طلابي بعض الأمثلة عن أزمنة كانت الأنهار فيها تُدار بشكل أفضل، أو أوقاتٍ كانت المنازل فيها مبنية بشكل أكثر استدامة».

تُظهر تقاليد النجوم البدوية أيضًا قيمة السماء الخالية من التلوث الضوئي. في الخليج المعاصر، حاولت الحكومات جذب السياح من خلال معالم جذابة، مثل دبي مول، وبرج خليفة. ومع ذلك، بعيدًا عن الألعاب النارية، وعروض الأضواء الأخرى، تمتلك حدائق السماء المظلمة أيضًا إمكانات كبيرة لجذب الزوار.

من الممكن أن تصبح مثل هذه المحميات نفسها مواضع ممتازة لتدريس التاريخ البيئي، من خلال وضع الطلاب ضمن أنواع المساحات التي طورها جنسنا البشري.

دمج الموضوعات البيئية والسياسية والاقتصادية

نظرًا لأن الموضوعات البيئية من بين أهم الموضوعات في عصرنا، فقد احتلت مكانًا متميزا في مناهج دروسي منذ أمدٍ طويل. ومع ذلك، غالبًا ما كنت أخصص أسبوعًا منفصلًا أو أسبوعين لهذه الحصص. فقد ضمّ مقرري الدراسي حول الشرق الأوسط الحديث، على سبيل المثال، وحدةً حول التحولات البيئية بعد أقسام عن السياسة والاقتصاد. وقد أدركت تدريجيًا أنني بحاجة إلى دمج الرؤى البيئية في معظم الدروس، بدلًا من عزلها في وحدة منفصلة.

من الجدير بالذكر أن للحروب الحديثة، وحتى مجرد دعم الجيوش الكبيرة في أوقات السلم، بصمة كربونية هائلة. يعد جيش الولايات المتحدة بمفرده، مع استهلاكه الهائل للوقود، مصدر تلويث يفوق 140 دولة مجتمعة. كما تعد العمليات كثيفة الانبعاثات أساس الكثير من النشاط الاقتصادي، حتى في تلك الدول التي لا تسمى عادةً بـ«الدول النفطية».

أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.

قد لا ينقذ تدريس التاريخي البيئي كوكبنا، لكنني آمل في أن يأخذ طلابي بعض الأمثلة عن أزمنة كانت الأنهار فيها تُدار بشكل أفضل، أو أوقاتٍ كانت المنازل فيها مبنية بشكل أكثر استدامة. وعلى أقل تقدير، أتمنى أيضًا أن يمكنهم ذلك من إدراك الروابط بين الأخبار المميزة التي تفيد بخلاف ذلك: مثل تغير المناخ، والعمليات العسكرية، والتي تتحاشى معظم وسائل الإعلام في العادة الحديث عن كثافتها الكربونية.

اقرأ أيضًا:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى