رأي

الجامعات العربية وأزمة العلوم الاجتماعية.. من هنا نبدأ

(الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء شخصية للكاتب ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الفنار للإعلام).

يتنامى الاعتقاد بأن الحضور الأكاديمي لمجال العلوم الاجتماعية والإنسانية في تراجع مطرد. وهو تصور لا يقتصر على النطاق الجامعي فحسب، بل يتجاوزه إلى مراحل التعليم الأولى أيضًا، مع ابتعاد المدارس الواضح عن الاهتمام بمقررات العلوم الاجتماعية والإنسانية، والتركيز بدرجة أكبر على المواد ذات الأساس العلمي.

فتحت هذه الملاحظة الباب أمام أبعاد متعددة للحوار، حيث يجادل البعض بأن مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية لا يتطور، أو يسهم في الأوساط الأكاديمية والإنسانية، بينما يدّعي آخرون أن المجال ليس له فائدة تطبيقية واضحة في الحياة المجتمعية. علاوة على ذلك، يلاحظ آخرون أن التراجع في هذا المجال يرجع إلى نقص الدعم المالي من المؤسسات الأكاديمية، مما يؤدي بدوره إلى قصور في التقدم والتطور الأكاديمي. كما يربط الممارسون في هذا المجال بين تراجع الاهتمام به، وتراجع التمويل الحكومي للبحث والتطوير.

ويطرح هذا المقال بعدًا آخر للقضية المطروحة، ويجادل بأن تراجع الاهتمام، وانعدام فرص نمو مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية مرتبط بالممارسين أنفسهم، وليس بالعوامل الخارجية التي يُزعم أنها السبب.

اقرأ أيضًا: (إلى التطوير أم التهميش؟ دراسة العلوم النظرية في الجامعات العربية أمام مفترق طرق).

إن الفخ الذي تقع فيه العلوم الإنسانية والاجتماعية هو الافتقار إلى الابتكار في البحث، وبدلًا من ذلك، وضع معظم الجهد على الجانب التاريخي لهذا العلم، دون نسج الدراسات من مخرجات مجتمع اليوم.

في السنوات الأخيرة، زعمت العديد من الجامعات في جميع أنحاء أوروبا وآسيا أن كليات العلوم الإنسانية والاجتماعية لم تعد تلبي الاحتياجات الأكاديمية أو المجتمعية، وفي كثير من الحالات، لم تبذل هذه الكليات جهدًا لتعديل نهجها في نتائجها، وأبحاثها، أو نهج التدريس.

تركز هذه الادعاءات على الكلية ذاتها والمناهج الجامدة غير المتطورة. ومع ذلك، فإنها تغفل عن عامل حيوي آخر، ألا وهو واجب الأكاديميين في هذا المجال نحو النهوض بمسؤولية إحياء وتجديد النهج. وقد يرتبط الأكاديميون في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية بالتهميش الحالي للمجال من خلال عدم تقديم موضوعاتهم بطريقة أكثر جاذبية وعملية وفائدة للمجتمع. وتفتقر الدراسات الحديثة في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية إلى جانبين مهمين، وهما: إثارة الفضول، والتطبيق العملي للمجال المطروح.

إن إضفاء العملانية على موضوعات العلوم الإنسانية والاجتماعية لا يتحقق بالمعنى التقليدي للكلمة، مثل الموضوعات العلمية كالهندسة والتجارة. ومع ذلك، يمكن تحقيق التطبيق العملي من خلال مفهوم المعاصرة. فعلى سبيل المثال، من خلال تضمين الظواهر الحديثة في موضوعات التاريخ، والأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع من خلال دراسات التغيرات في التركيبة السكانية العالمية، وحركة الأفراد، وتأثير الإنترنت في الحياة الاجتماعية، من قبيل الزيجات عبر الإنترنت، والتعليم عبر الإنترنت، وما إلى ذلك.

وهذه التغييرات في عالم اليوم جزء من تاريخنا المتغير، وسيكون لها تأثير في جميع جوانب العلوم الاجتماعية. ومع ذلك، إذا كان على المرء أن يدرس المناهج المقدمة في الكليات، فإنه لن يجد أي مناهج معاصرة تستحثه.

إن إضفاء العملانية على موضوعات العلوم الإنسانية والاجتماعية لا يتحقق بالمعنى التقليدي للكلمة، مثل الموضوعات العلمية كالهندسة والتجارة. ومع ذلك، يمكن تحقيق التطبيق العملي من خلال مفهوم المعاصرة.

علاوة على ذلك، هناك قضية حيوية أخرى، وهي الفكرة الشائعة المتمثلة في القول بالوصول إلى منتهى إنتاج دراسات العلوم الإنسانية والاجتماعية، على الرغم من أن هذه الدراسات هي دراسات في الإنسان والتنمية البشرية. ويربط العديد من الأكاديميين هذه الموضوعات بما تم البحث فيه وتطويره في الماضي، ويستمرون في تدريس النتائج التي عفا عليها الزمن. ونحن اليوم نعيش في عالم معولم، حيث تتجاوز العولمة اكتشاف الأراضي، وخلق طرق التجارة. ويعتبر النهج التقليدي للتاريخ والثقافة والمجتمع أمرًا حيويًا في فهم شكل الماضي، وكيف تطورت المجتمعات، ولكنه لا يكفي بأي حال من الأحوال لفهم ما الذي يبني أجيال اليوم، وكيف ستكون الأجيال المقبلة.

لقد أدى مفهوم التبادل؛ سواءً تعلّق بالأشخاص أو الطعام أو الثقافة أو اللغات أو دمج العالم الرقمي والإنترنت، إلى تغيير الواقع البشري، حيث لم يعد بإمكاننا تطبيق معطيات اليوم على الأمس وإحالة الحاضر إلى الماضي. ومع ذلك، إذا كان علماء العلوم الإنسانية والاجتماعية قادرين على الجمع بين التغييرات السريعة التي تحدث في هذا العصر العالمي وتضمينها، وتمكنوا من دمجها في أبحاثهم وتدريسهم، فسيكون المجال في وضع مؤهل للإنتاج والمعرفة والتوسع فيهما.

اقرأ أيضًا: (“تصحر” أقسام العلوم الاجتماعية.. وجه آخر لمحنة التعليم العالي في اليمن).

ما الماضي إلا تاريخ اليوم، واتجاهاتنا المعاصرة ستكون ماضي غدنا. ولذلك، من واجب أكاديميي هذا المجال التوقف لملاحظة واستيعاب التغييرات وإدراجها في أبحاثهم ونتائجهم من أجل تجنب المزيد من تهميش المجال.

إن الفخ الذي تقع فيه العلوم الإنسانية والاجتماعية هو الافتقار إلى الابتكار في البحث، وبدلًا من ذلك، وضع معظم الجهد على الجانب التاريخي لهذا العلم، دون نسج الدراسات من مخرجات مجتمع اليوم. ومن خلال القيام بذلك، وضع الأكاديميون نهاية للحاجة إلى مزيد من الدراسة، وضيّقوا نطاق الدراسة لينحصر في الماضي بدلًا من الحاضر والمستقبل.

ومن الطرق الأخرى لتحسين مستوى توليد المعرفة في تخصصات العلوم الاجتماعية، اعتماد مقررات الدراسات البينية. وعادةً ما يكون تعريف الدراسات البينية هو دمج موضوعين أو أكثر لإنتاج فهم شامل للموضوع المطروح. ولذلك، فإن المطلوب هو توليد المزيد من البحث والتدريس من خلال الجمع بين أكثر من موضوع واحد والاستفادة من المعرفة الموجودة ودمجها مع البحث المعاصر.

ومن خلال الجمع بين نهج الدراسات البينية متعددة التخصصات، وزيادة ملاءمة الدراسات التقليدية، والاكتشافات المعاصرة للعلوم الإنسانية والاجتماعية، لن يفتقر هذا التخصص أبدًا إلى الاهتمام أو إلى التطبيق العملي أو نشر المعرفة.

وختامًا، نقول بأن أي مجال من مجالات الدراسة يتطلب ملاحظة التغيير، وبالتالي، وفي مجال مثل العلوم الإنسانية والاجتماعية، ألا تقتصر على النتائج والاتجاهات الاجتماعية في الماضي، ودحض الفكرة القائلة بأن الدراسات المتعلقة بهذا التخصص قد وصلت إلى منتهاها. على العكس من ذلك، حيث يشهد عالمنا اليوم تغيرات لا يمكن تصور حدوثها في فترة قصيرة من الزمن. لقد مسّت العولمة كل جانب من جوانب عالم اليوم، وغيّرت مفاهيم الحياة في كل ركن من أركان العالم.

ما الماضي إلا تاريخ اليوم، واتجاهاتنا المعاصرة ستكون ماضي غدنا. ولذلك، من واجب أكاديميي هذا المجال التوقف لملاحظة واستيعاب التغييرات وإدراجها في أبحاثهم ونتائجهم من أجل تجنب المزيد من تهميش المجال. وهو ما يتيح لبني البشر التواصل مع تاريخهم، والتنبؤ بمستقبلهم.

*محجوب زويري، أستاذ في التاريخ المعاصر للسياسة في الخليج ومدير مركز دراسات الخليج بجامعة قطر.

*فرح القواسمي، مساعدة أبحاث في مركز دراسات الخليج بجامعة قطر.

اقرأ أيضًا:

دعوة لإحياء تدريس التاريخ في المنطقة

لماذا تبدو العلوم الاجتماعية منفصلة عن الواقع

شكوك حول فعالية إلغاء برامج أكاديمية في خفض نسب البطالة في الأردن

ابحث عن أحدث المنح الدراسية عبر موقعنا من هنا، وشاركنا النقاش عبر مجموعتنا على «فيسبوك» من هنا، وللمزيد من المنح، والقصص، والأخبار، سارع بالاشتراك في نشرتنا البريدية.

Countries

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى