أخبار وتقارير

تحذير: البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية تتكاثر في المنطقة

 بيبلوس وبيروت- أصبحت الدول العربية مرتعًا لنمو البكتيريا التي يصعب السيطرة عليها بواسطة المضادات الحيوية العادية. مما يدفع مجموعة من الباحثين لتعقب هذه المشكلة مع الأمل بوضع حد لها.

لا يتضح خطر ذلك للكثير من الناس بعكس الباحثين في هذا المجال. إذ ذكر تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية في نيسان/ أبريل الماضي “في عصر ما بعد المضادات الحيوية – حيث يمكن للأمراض المعدية والإصابات البسيطة أن تقتل المرضى –  ليس الأمر محض خيال ولكنه وارد جدًا في القرن الحادي والعشرين.”

في لبنان، على سبيل المثال، يزداد انتشار مقاومة المضادات الحيوية عنها في الدول الغربية، كما يقول جورج آراج، مدير إدارة علم الأحياء الدقيقة الإكلينيكية في المركز الطبي التابع لجامعة بيروت. ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى سوء استخدام المضادات الحيوية وضعف الجهود المعنية بمراقبة أنواع البكتيريا المقاومة لبعض الأدوية.  بدأ آراج في إجراء الأبحاث حول هذا الموضوع في مختبره منذ عام 1992، لكنه يعتقد بضرورة وجود شبكة إقليمية للتعامل مع هذه المشكلة.

من الصعب وصف تدني الوضع في لبنان مقارنة بأوروبا والولايات المتحدة الأميركية، على حد قوله. فكل ذلك يعتمد على نوع البكتيريا  “وضعنا أفضل في التعامل مع بعض السلالات ولكننا عموماً في وضع أسوأ بكثير”. ويتوقع آراج أن تواجه لبنان مشكلة أسوأ من الغرب بنسبة لا تقل عن 40 إلى 50 في المئة. مشيراً إلى أنه وبالرغم من ذلك فإن لبنان لا يزال في حال أفضل من معظم الدول العربية.

يتفق بعض الخبراء مع هذا الرأي. تقول سيما ت. توكاجيان، أستاذ مشارك في علم الأحياء الدقيقة الجزيئية في مبنى بيبلوس في الجامعة الأميركية في بيروت “ينتشر سوء استخدام المضادات الحيوية في كافة أنحاء العالم العربي.”

ويتفق توكاجيان وآراج أن من أهم أسباب مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية في المنطقة هو سهولة الحصول على هذه المضادات بدون الحاجة إلى وصف طبيب “يجب أن تتوقف مبيعات الأدوية بدون وصف الطبيب”، كما يقول آراج.

تتعقب توكاجيان التوزيع الجغرافي وانتشار أنواع البكتيريا باستخدام تقنيات مختلفة. بحيث ساهمت البيانات المجمعة  في رسم خريطة توضح انتشار مقاومة المضادات الحيوية. تقول توكاجيان إن مختبرها يعد واحدًا من المرافق المعتمدة القليلة خارج أووربا وشمال أمريكا لإجراء هذا النوع من الاختبارات.

في لبنان ومنذ عامين، لاحظت توكاجيان وزملاؤها واحدة من أخطر وسائل مقاومة المضادات الحيوية. فقد تم جمع العينات في طرابلس من مواطنين سوريين أصيبوا خلال الحرب الدائرة هناك. وتفحص توكاجيان حاليًا التفاصيل الوراثية لهذه الأنواع من البكتيريا، والمسماة Acinetobacter baumannii.  إذ تكيفت هذه السلالة بحيث يمكنها أن تدمر فئة قوية وهامة من المضادات الحيوية تسمى carbapenems. ويعرف هذا النوع بأنه الملجأ الأخير في المضادات الحيوية لأنه يقضي على معظم أنواع البكتيريا. وعادة ما يكون آخر مضاد حيوي يلجأ إليه الأطباء بعد محاولة القضاء على العدوى باستخدام المضادات الحيوية الأخرى.

ويقول آراج إنه على الأرجح تأتي هذا البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية إلى لبنان بواسطة مرضى من دول عربية أخرى. ويأتي المرضى من كافة أنحاء المنطقة إلى المستشفى التي يعمل فيها آراج لأنها تقدم مستوى متميزًا من الرعاية الطبية في المنطقة. في الدول الأخرى، ينتشر العلاج والتشخيص الخاطئ للأمراض. ويقول آراج إن هذه الأمراض تأتي غالبًا من العراق وسوريا، حيث تسمح الأماكن المغلقة والظروف السيئة في معسكرات اللاجئين في كافة أنحاء المنطقة بانتشار الأمراض وزيادة المقاومة للعلاج بالمضادات الحيوية.

ويتذكر آراج تحليل عينات من بكتيريا E-coli و Klebsiella المقاومة لأنواع مختلفة من المضادات الحيوية. ويقول “سألت عن المرضى ووجدت أنهم من العراق، حيث تظهر أنواع جديدة من البكتيريا المقاومة للعلاج.”

فبالإضافة إلى ظهور أنواع جديدة من المقاومة، تقول توكاجيان إن المزيد والمزيد من أنواع البكتيريا تكتسب أنواع قديمة من المقاومة. إذ تتحرك أجزاء من الحمض النووي في البكتيريا والتي تقاوم المضادات الحيوية بسهولة من نوع بكتيريا إلى آخر. وخلال هذه العملية والمعروفة باسم انتقال الجين، تتبادل البكتيريا المادة الوراثية. ومنذ ثلاثة أعوام، أكد مجموعة من العلماء أن ذلك لا يحدث فقط في سلالة واحدة، ولكن يتم أيضًا بين أنواع مختلفة من السلالات.

ويرى آراج أن الموقف خطير وأن باحثي الصحة العامة يحاربون في معركة خاسرة. ويقول إن بعض التقارير حول مقاومة البكتيريا قد تتسم بعدم الدقة “فلا تعرف بعض المستشفيات كيفية اختبار المقاومة للمضادات الحيوية، ومن ثم يمكن أن تقدم نتائج خاطئة.”

في أوائل هذا العام، أصدرت منظمة الصحة العالمية تقريرًا حول مقاومة مضادات الميكروبات، والذي ألقى الضوء على الانتشار الكبير لهذا النوع من المقاومة في منطقة الشرق الأوسط والدول العربية. وقالت المنظمة إن الموقف يزداد سوءًا مع تفاقم الأزمات الانسانية في المنطقة.

في معظم الدول العربية، لا يتطلب صرف المضادات الحيوية وجود وصفة من طبيب، فقد يتناول المرضى الذين يفتقرون إلى الخبرة الطبية المضادات الحيوية لأمراض لا يمكن لهذه المضادات أن تعالجها مثل العدوى الفيروسية. ولكن تعاطيهم لهذه المضادات يعرض بكتيريا الجسم للأدوية ويمنح البكتيريا الفرصة لتطوير مقاومة لهذه المضادات.

ويقول آراج إن الأطباء والمرضى يشتركون في هذا الخطأ. فقد يستسلم الأطباء إلى ضغط المرضى الذين يطلبون المضادات الحيوية غير الضرورية والصيادلة لا يدققون في أي طلب لشراء دواء.

ولا يبدو أن هذا الموقف سيتغير بدون استحداث قوانين جديدة، فعلى الإرادة السياسية أن تطبق ذلك بحزم، كما قال آراج. وتشك توكاجيان من أن القوانين التي تشترط وجود وصفات طبية لصرف المضادات الحيوية ستصدر في وقت قريب، تقول “لدينا الكثير من القضايا الأخرى في المنطقة التي تتطلب اهتمامًا عاجلاً.”

أشار تقرير منظمة الصحة العالمية إلى الحاجة لرصد أنواع البكتيريا المقاومة لأي نوع من المضادات الحيوية في أي دولة تحديدًا. يعد آراج جدولاً كل عام، يوضح فيه أنماط مقاومة البكتيريا لأنواع المضادات الحيوية والتي يرصدها في مختبره. يحتاج في العالم العربي إلى التوسع في جهود آراج في شكل قاعدة بيانات على شبكة الإنترنت تضم المختبرات في كافة أنحاء العالم العربي لمواجهة مشكلة مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، كما تقول توكاجيان.

أما بالنسبة للأوضاع القائمة حاليًا، فهناك تعاون متواضع للغاية بين بعض المؤسسات التي تعمل في رصد أنماط المقاومة. “يبدو أننا لا نجيد التحدث مع بعضنا البعض”، على حد تعبيرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى