رأي

معايير تقيّيم التعليم لا تدعم التعلم

تأتي هذه المقالة نتيجة إحباطي كمعلّمة، وشخص يقدّم الدعم للمعلّمين الآخرين، وباحثة، وعالمة غير تقليديّة، وأم. لإحباطي صلة بمعايّير الجودة، وكيف يبعدنا الهوس بها عمّا هو مهمّ فعلا بالنسبة للتعليم.

إنّ هذه المعايّير بطبيعتها غير موضوعيّة، ومسيّسة، وتميّيزيّة. إنّها دائما معايّير شخصٍ ما، وغالبا ما تكون معايير الأقليّة المهيمنة التي تمتلك السلطة والنفوذ، وفي العادة توضع من قبل صانعي السياسات وليس الممارسين. وفي كثير من الأحيان، تحقّق هذه المعايّير الحاجات (الليبراليّة الجديدة) للسيطرة والقياس، وليس الحاجة الحقيقيّة لتحسين قيمة التجربة التعليميّة الواقعيّة داخل الفصول الدراسيّة.

عندما يتحدّث الناس عن معايّير لضبط جودة التعليم، خصوصا فيما يتعلّق بالتدريس (كالاعتماد)، فإنّهم في العادة يشيرون إلى بعض المقايّيس الموحّدة والمفرّغة من المضمون، ويعتبرون أي شخص يتوافق معها مؤهّلاً. مع ذلك، هل يأخذ الأشخاص ممّن يضعون تلك القواعد في الإعتبار كون جميع الفروقات الدقيقة والتعقيدات للسياقات المحليّة لأولئك الذين ستفرض عليهم هذه المعايير ستؤدّي عملها؟ وهل سيتأكّدون من أنّ هذه المعايير ستطبّق في الممارسة؟ أحد الأمثلة على واحدة من المعايير التي قد تكون كارثيّة تتمثّل بمخرجات التعليم المحدّدة مسبقا والتي لا تأخذ بالإعتبار النقاط التي بدأ منها الطلاب. كما تعتبر خطط الدروس الصارمة التي لا تستجيب لحاجة الطلاب  مثالا آخرا على ذلك. تتعلّق الأمثلة الأخرى بوضع معايّير توجب على الطفل أن يحقّق تحصيلا معيّنا، وتقيّيم ذلك وفق طرق موحّدة تفشل في أن تأخذ بالحسبان النظرة الشاملة  للطفل.

إنّ هذا النهج الكلّي يعمل على تجريد المعلّمين من إنسانيّتهم، من خلال تقليل الإيمان بقدرتهم على الحكم والتصرّف بشكلٍ ملائم فيما يتعلّق بالمواقف الصغيرة التي تحصل في داخل فصولهم الدراسيّة. كما إنّهم يجرّدون الطلاب من إنسانيّتهم بجعلهم قابلين للمقارنة دائما وفق بعض المعايّير التعسّفيّة، حيث الهدف هو ألاّ ينقصهم شيء بدلا من تحسين ذواتهم. كما إنّها تجرّد أولياء الأمور من إنسانيّتهم من خلال عدم إشراكهم وجعلهم يشعرون على الدوام بأنّهم محكومين في كون أطفالهم لا يلبّون معايير شخصٍ آخر يحدّد لهم ما يتوجّب عليهم أن يكونوا عليه. إنّ أمورا كالإختبارات الموحّدة تهين العمليّة التعليمية نفسها من خلال إختزالها برقم يتحصّل عليه الطالب خلال ساعات قليلة من وقت الإمتحان الموحّد.

إلتقيتُ مؤخّرا بسيّدة أخبرتني بأنّ طفلها كان مصنّفا ضمن “طيف التوحّد”. أخبرتني عن مدى الصعوبة التي واجهوها في تشخيصه، حتّى وجدت في نهاية المطاف شخصا أخبرها بأن تتجاهل طبيعة التشخيص أو العنوان الذي يصف حالته، وأن تركّز عوضا عن ذلك على العمل مع الطفل في مجالات معيّنة حيث يمكن لنوعيّة حياته أن تتحسّن. أعتقد بأنّ ذلك كان منهجا أفضل – أن تركّز على كيفيّة مساعدة الآخرين على التحسّن بدلاً عن تشخصيهم وتصنيفهم. (إستمع للبودكاست المرتبط بهذا الموضوع).

يمكننا أن نأخذ ذلك لمستوى أعلى من الإعتماد الجامعي وما الذي يعنيه البحث عن إعتماد من مؤسّسات خارجيّة والتي تعرف القليل جدّا عن واقع المؤسّسة المحليّة. نشرت الفنار للإعلام مؤخّرا تقريرا يظهر حجم إهتمام الجامعات العربيّة في الحصول على إعتماد خارجي.

تتضمّن فكرة قيام بعض الجامعات والشهادات بقولبة تصميمها الخاص بطريقة تمكّنها من الحصول على الإعتماد قيامهم بإيجاد برامج تلائم معايّير بعض الأشخاص الأجانب عوضا عن بحثهم بشكل أكثر قربا عن الأهداف الأكثر نفعا بالنسبة لسياقاتهم المحليّة. من الممكن القيام بالأمرين بالتّوازي، كما أفترض، لكن من الصعوبة بمكان أن نوازن بين الأمرين بشكلٍ عادل. فهل تنتقل السياقات الثقافيّة المختلفة في الولايات المتّحدة الأميركيّة والمملكة المتّحدة بشكل جيّد عند تقيّيم البرامج المحليّة في المنطقة العربيّة، مع العلم بأنّ بعض سياقاتها ذاتها تختلف كثيرا عن بعضها البعض؟

نحن نخدع أنفسنا إذا ما إعتقدنا بأنّ إجتياز المؤسّسات للوائح التقيّيم للعوامل ومنحها الإعتماد يخبرنا شيئا ذو معنى فيما يخصّ طريقة التدريس المتّبعة. أعترف بأنّني لم أكن أبدا في وسط عمليّة إعتماد جامعي، لكن في إمكان أحدهم من المحيط ملاحظة كيف تغيب الكثير من التفاصيل المهمّة عن بال المعتمدين لأنّ تلك التفاصيل وببساطة ليست على لائحة الفقرات التي يبحثون عنها.

يشبه الأمر إلقاء نظرة على خطّة عمل شركةٍ ما من دون التدقيق في الكيفيّة التي أنشئت بها يوما بعد يوم. كما لو أننا نلقي نظرة على المناهج والكتب الدراسيّة ثم نصدر حكم عن جودة التدريس. بناء على ذلك، أو إلقاء نظرة على البنى التحتيّة للمؤسّسة كمختبراتها مثلا، ولكن من دون رؤية كيف يعمل الطلاب فيها في الأيّام الإعتياديّة. التعلّم أكثر من مجرّد تصميم، إنّها عمليّة تحدث بين المدرّسين والطلاب. التعلّم عملية تحدث للمتلقّي نفسه داخل وخارج الفصل الدراسي ومنهج لن يكشف عن قدر التعليم الذي تمّ فعلا. في إمكان إمتحان أو بحث نهائي أن يقوم بذلك. لكنّ ذلك سيريك النتيجة النهائيّة فحسب، وليس العمليّة ككل.

قد يعتقد المدير أو المعتمِد بأنّهم قد رأوا نتيجة التعليم على الأقل، وهذا هو المهم، لكنّهم لم يروا المكان الذي بدأ الطلاب منه، ولا ما مرّوا خلاله، وكيف تمّ دعمهم للإنتقال من نقطة أ إلى النقطة ب. فكلّنا يعرف بأنّ مؤسّسات رابطة اللبلاب قد تكون رائعة ببساطة في إختيار متعلّمين جيّدين بدلا عن توفيرها لتعليمٍ جيّد. سيكون اختباراً حقيقيّا لتعليم رابطة اللبلاب إذا ما كان في إمكانهم التعامل مع فوجٍ كامل من الطلاب ذوو المعيار المتوسّط القادمين من خلفيّات مدرسيّة، وقدرات قراءة، ومستويات تفكير نقدي متباينة، فضلا عن خلفيّات ثقافيّة مختلفة، خلال وقت كانت فيه بلادهم تمرّ بفوضى سياسيّة، وقدرتها على جلعهم متفوقين. سيكون الأمر كذلك إذا ما قبلوا باحثين متوسّطي الخبرة ووفّروا لهم الموارد والدعم الكافي لجعلهم من الفائزين بجائزة نوبل (ولكن أوه نحن ههنا مرّة أخرى أمام التساؤل حول كون جائزة نوبل ليست الطريقة الوحيدة في تحديد جودة المعرفة، صحيح؟)

إذن كيف يمكننا أن نتعرّف على عمليّة التعلّم؟ ليست هنالك إجابة بسيطة لهذا التساؤل، ولا يتوجّب علينا أن نبحث عن واحدة. إحدى الطرق هي أن نفكّر بإستمرار بالمعلّمين والمتعلّمين معا، وعن كلّ ما يجري أثناء الفصل الدراسي نصف السنوي، أن نتحدّث ونفكّر في العمل، حتّى بعد (وخاصّة بعد) إنتهاء الفصل الدراسي. من خلال جمع ملفّات العمل قيد الإنجاز والسماح للأشخاص في المؤسّسات بإجراء تقيّيم ذاتي للتقدّم، وفقا للمعايّير التي تكون ذات معنى بالنسبة لهم وفق واقعهم المعاش أنفسهم. سينقل هذا النوع من التحوّلات عبء الرقابة والتقيّيم من المؤسّسات الخارجيّة إلى المستوي المحلّي.

كان الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو ليأخذ موقفا من هذا ويعتبره أحد أشكال التنظيم الذاتي. لكنّ ذلك تحسّن بالنسبة للتقيّيم الخارجي، والذي يعتبر موضوعيّا بسبب بعده، بينما في الواقع يجعله هذا البعد أقل حساسيّة بالنسبة للسياق العام والفروقات البسيطة.

لا يمكنني أن أنكر أهميّة الحصول على شكل من أشكال الإعتراف بجودة ما نقدّمه كمؤسّسات تعليميّة، ففي النهاية، يحتاج الطلاب وأولياء الأمور لطريقة ما للمقارنة والإختيار بين المؤسّسات، ومن المرجّح أنّهم لا يمتلكون الوقت أو المعلومات الكافية لدراسة كلّ مؤسّسة بشكل متعمّق.

إذا ما كان عليّ تقديم إقتراحات بنّاءة ليؤخذ بها، فإنّها ستكون موجّهة للمؤسّسات بأنّ عليها أن:

تدرك بأنّ المعايّير الخارجيّة والإعتماد ليس كافيا، وأنّنا بحاجة لفعل المزيد أكثر ممّا هو ظاهر بالنسبة للمعتمدين.

ألاّ ندع المعايّير والمؤشّرات الخارجيّة لتكون مؤشّرنا الوحيد أو الرئيسي، وألاّ يعمينا ذلك عن رؤية أشياء أخرى لها أهميّتها.

البدء ببناء معايّيرنا الخاصّة وطرق تقيّيمها بشكل يجعلها ذات معنى بالنسبة لسياقاتنا، وإشراك الممارسين في وضع تلك المعايّير.

مراجعة المعايّير بإستمرار وترك قدر من المرونة فيها بما يسمح بالإبتكار وإدخال أشكال غير تقليديّة من المعرفة.

*مها بالي: أستاذة مشاركة في مركز التعليم والتدريس في الجامعة الأميركية في القاهرة، وعضو هيئة تدريس مساعد في كلية الدراسات العليا في التربية والتعليم. حصلت بالي على درجة الدكتوراه في التربية من جامعة شيفيلد، المملكة المتحدة. يمكنكم متابعة مها على تويتر: [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى