أخبار وتقارير

النرويج: جامعات مجانية بلا طلاب

* ملاحظة المحرّر: تقارن هذه القصّة بين النرويج، حيث التعليم الجامعي المجّاني، والولايات المتّحدة الأميركيّة، حيث يمكن أن تكون الجامعات غالية التكاليف، من ناحية قدرة مؤسّسات التعليم العالي على جذب الطلاّب الذين لم يذهب ذووهم إلى الجامعة. ولأنّ مسألة تكلفة التعليم تُناقش بشكلٍ مكثّف في المنطقة العربيّة، نعتقد بأنّ قراءة هذا الموضوع ستكون مثيرة للإهتمام. ظهرت هذه القصّة أوّل مرّة في صحيفة ذي أتلانتيك The Atlantic و الهاتشينغر ريبورت The Hechinger Report.

أوسلو– يحب كورت رايس، الرئيس الجديد لثالث أكبر جامعة في البلاد والأميركي المولد، ترديد قولٌ مأثور في النرويج الشهيرة بالمساواة “نحن جميعاً نجلس في ذات القارب.”

يقول رايس إنّ ذلك يعني “أنّنا ضد إستثناء أي شخص. لأنّ ذلك لا يتماشى  مع الروح النرويجيّة.”

لذا فإنّ جميع النرويجيّين يتمتّعون بحقّ الوصول إلى نفس الكليّات مجّاناً، بغضّ النظر عن خلفيّاتهم. كما يحصل كل طالب على بدل تغطيات نفقات المعيشة ذاته. لكنّ شيئاُ مثيراً للدهشة يحدث في النرويج، وهو ما يفسّر ظاهرة مماثلة في الولايات المتّحدة الأميركيّة، والتي أحبطت جهودها الرامية لزيادة عدد الأميركيّين الذين يواصلون تعليمهم العالي.

هذا الشيء المثير للدهشة هو أنه على الرغم من كون الرسوم الدراسيّة في النرويج مجانيّة بشكلٍ كامل تقريباً، فإنّ النرويجيّين الذين لم يذهب ذووهم إلى الكليّات من المحتمل بدرجة كبيرة ألاّ يذهبوا إلى الكليّات هم أيضاً، تماماً كما هو حال الأميركيّين الذين لم يذهب ذووهم إلى الكليّات. يوضّح هذا اللغز نقطة حرجة يُساء فهمها بشكلٍ كبير، بحسب خبراء في مجال التعليم العالي وهي أنّ: المال ليس الشيء الوحيد الذي يمنع طلاّب الجيل الأوّل من السعي للحصول على شهادات جامعيّة.

يقول رايس، والذي سيصبح رئيساً لكليّة آكيرشوس الجامعيّة النرويجيّة في أوسلو في آب/أغسطس القادم، “يعتبر هذا حالة مختبريّة، حيث أمكننا السيطرة على أحد العوامل – ألا وهو التكلفة – لنرى ما الذي سيحدث بعد ذلك؟”

وما حدث هو أنّه – وعلى الرغم من كون الدراسة مجّانيّة بشكلٍ أساسي – فإنّ 14 في المئة فقط من أبناء الأسر الأقل تعليماً في النرويج يذهبون إلى الكليّة، مقارنة مع ما نسبته 58 في المئة من أبناء الأسر الأكثر تعليماً، بحسب تحليل أجرته باحثة التعليم النرويجيّة إليزابيث هوفدهاوغين.

يمكن ملاحظة ذات النسبة تقريباً في الولايات المتّحدة الأميركيّة، حيث يتحمّل الطلاّب وأسرهم تكاليف الدراسة في الجامعة، وحيث تشير تقارير منظّمة التعاون الإقتصادي والتنميّة إلى أنّ 13 في المئة فقط من أبناء الأهل الذين لم يكملوا تعليمهم العالي ينتهي بهم المطاف للحصول على شهادات جامعيّة.

يقول جون غومبيرتز، الرئيس والمدير التنفيذي لمنظمة تحالف وعد أميركا America Promise’s Alliance، وهي مجموعة منظّمات تسعى لتوجيه المزيد من الشباب نحو وخلال الجامعات في الولايات المتّحدة، “لا أعتقد بأنّ الناس تفهم بأنّ الأمر لا يتعلّق بالمال وحده.”

يصرّح مجلس الكليّات أنّها مشكلة كبيرة، إذا ما أخذنا في الإعتبار كون الثلث تماماً من الأطفال بين عمر الخامسة والسابعة عشرة في الولايات المتّحدة هم ممّن لم يذهب ذووهم إلى الكليّات، في الوقت الذي يحاول فيه صنّاع القرار زيادة عدد الأميركيين من حاملي الشهادات الجامعيّة. إنّهم بحاجة لملء ما نسبته 65 في المئة من الوظائف بحلول عام 2020 والتي ستتطلّب نوعاً من التدريب الجامعي، وفقاً لمركز تعليم القوى العاملة في جامعة جورج تاون.

يقول غومبيرتز، “تعدّ النرويج نافذة مهمّة على هذا الموضوع. فإذا جئت من خلفيّة حيث يذهب الجميع إلى الكليّة، فليس هنالك شك في كونك ستذهب إلى الكليّة أيضاً. ولكن إذا ما ترعرعت في مجتمع صعب حيث لم يذهب أو ينجح أحدهم في الكليّة، فلن يكون هنالك أحدٌ في المنزل ليعرف كيف يمكن التنقل بنجاح خلال النظام التعليمي. يتطلّب ذلك قدراً كافياً من الدعم والإستعداد الإجتماعيّين. سيكون ذلك بمثابة معجزة”.

يعمل النظام النرويجي على إزالة بعض العقبات الأخرى بالإضافة إلى التكلفة. فبإستثناء رياض الأطفال، يتم تمويل المدارس الإبتدائيّة والثانويّة على المستوى الوطني، وليس المحليّ، على سبيل المثال، وبالتالي فليس هناك أي إختلاف ظاهري في جودة التعليم بين المدن والبلدات الأكثر والأقل دخلاً، عكس ما يمكن أن نراه من فوارق بين الضواحي الغنيّة ومناطق السكن الفقيرة في الولايات المتّحدة. كما إنّ من السهولة فهم نظام التمويل النرويجي، بينما يمتاز نظام المنح والقروض الأميركي بالتعقيد وغالباً ما يكون مربكاً، حتّى بالنسبة للعائلات التي تمتلك خبرة في الذهاب إلى الكليّة.

لكنّ مبدأ المساواة الإجتماعيّة في النرويج تعني أيضاً عدم وجود برامج توفّر دعم أكاديمي للطلبة من ذوي الدخل المنخفض أو الجيل الأوّل في الكليّة، على الرغم من وجود القليل منها للمهاجرين والنساء في المجالات التي يكون فيها تمثيلهم قليلاً.

تقول هوفدهاوغين، في مكتبها في معهد دراسات أبحاث بلدان الشمال للإبتكار والبحث والتعليم والذي يقع في الشارع المقابل للقصر الملكي في أوسلو، “إنّ مساعدة الطلاّب ذوي الوضع الإقتصادي والإجتماعي المنخفض لا تحدث على الإطلاق. إنّها فكرة المجتمع العادل، والتي تعتبر الطلاّب بالغين ومستقلّين عن ذويهم. في إمكانك قلب ذلك تقريباً والقول بأنّ الطلبة الذين يمتلك ذووهم دخلاً مرتفعاً غير مؤهلين للحصول على الدعم، فسيتمّ الحكم على ذلك بأنّه غير عادل بدرجة كبيرة.”

ولأنّ الأجور اليوميّة للحرف اليدويّة مازلت عالية، بحسب هوفدهاوغين، فإنّ هنالك حافزاً ماليّاً أقل بالنسبة لبعض النرويجيّين ليتكبّدوا عناء الدراسة في الكليّة، ما دام في إمكانهم الحصول على وظائف بشكلٍ أسرع، ويكسبوا نفس القدر تقريباً من المال في الوقت ذاته، من خلال عملهم كسبّاكين أو فنّيين كهرباء.

يبدي المدافعون الأميركيون عن التعليم العالي قلقهم من أنّ شيئاً مماثلاً قد يحدث في الولايات المتّحدة، حيث تتنامى شكوك الناس حول عائدات الإستثمار في الحصول على شهادات. فقد أظهر تقرير إتّحادي جديد بأنّ متوسّط الدخل السنوي للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 25-34 عاماً ممّن يحملون شهادات بكالوريوس قد هبط من 53.210  دولار أميركي في عام 2000 إلى 46.900 دولار أميركي في عام 2012، في حين واصلت أجور الدراسة إرتفاعها.

يقول رايس، “ينظر إلى شهادة البكالوريوس في الولايات المتّحدة على أنّها خيار جدّي للدخول إلى الطبقة الوسطى، بينما في النرويج يعتبر كلّ شيء بمثابة تذكرة للدخول إلى الطبقة الوسطى، لأنّ الجميع ينتمي إلى الطبقة الوسطى. لذا فقد أصبح أقل وضوحاً إذا ما كانت شهادة البكالوريوس حقّاً تذكرة للدخول إلى الطبقة الوسطى في الولايات المتّحدة.”

ترتبط درجات الطلاّب الأميركيين في إمتحان الـ SAT وإمتحانات دخول الجامعات الأخرى أيضا بمستوى تعليم ذويهم، فكلّما كان تعليم ذوي الطالب أو الطالبة أفضل، كلّما كانت درجاته أو درجاتها أعلى، بحسب مجلس الكليّات، والذي يدير إمتحان SAT للدخول للجامعات .

 تقول مارغريت كاهالان، نائب رئيس الأبحاث لدى معهد بيل Pell لدراسة فرص التعليم العالي،”ما دام التعليم يؤثّر على الدخل، فإنّ الأطفال الذين لم يذهب ذووهم إلى الكليّة من المرجّح أيضاً ألاّ يكونوا من ميسوري الحال”، وتضيف، “كما إنّ الأسر الأقل ثراءاً ستكون بشكلٍ واضح أكثر عرضة لمواجهة المشاكل الصحيّة، والمشاكل القانونيّة، وحالات الحمل غير المنظّم، بالإضافة للعديد من التحدّيات الأخرى”.

إنّ الطلبة من مثل تلك الخلفيّات “سيكونون في المتوسّط عرضة لمواجهة عقبات أكثر من الطلبة الذين ينحدرون من خلفيّات أكثر حظّا”، بما في ذلك الجوانب غير المادّية، بحسب كاهالان.

والآن، ومع وجود ما نسبته الثلث من طلبة المدارس الإبتدائيّة والثانويّة في الولايات المتّحدة ممّن ينحدرون من أسر لم تكمل تعليمها العالي، فإنّ الدرس الأهم يتمثّل في أنّ إعتبارات ثقافيّة، وليست إقتصاديّة فحسب، ستوقف الكثيرين منهم عن الذهاب إلى الجامعة.

إنّ الشباب المنحدرين من خلفيّات مثل هذه، عندما يفكّرون في إذا ما كانوا سيذهبون للجامعة أم لا، يكونون في الغالب ممّن لا يعرفون بأنّ في إمكانهم الذهاب إلى المكتبة وإستعارة الكتب بدلاً من شرائها، بحسب غومبيرتز.

“كيف ستتسنّى لك معرفة ذلك؟ إنك لا تولد وأنت تعرف شيئاً من هذا القبيل. ومن الذي سيقوم بتعليمك؟ إنّ تجريد الأمر من النقود يظهر لك مدى تعقّد المسألة.”

* الحقوق محفوظة لجون ماركوس – كما تمّ نشرها أوّل مرّة من قبل The Atlantic.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى