رأي

هل تقود جامعة الموصل جهود الإعمار ما بعد الحرب؟

دهوك، العراق – في صباح كل يوم وطوال أكثر من عامين، عكف فاروق كريم على متابعة تقارير وسائل الإعلام العراقية والدولية باللغتين العربية والإنجليزية، منتظراً بفارغ الصبر الأنباء عن العملية العسكرية المرتقبة لاستعادة الموصل، ثاني أكبر مدينة في العراق، من تنظيم الدولة الإسلامية. في الشهر الماضي، وعندما بدأت القوات العراقية أخيراً هجومها على الموصل، وجد كريم نفسه في حيرة من أمره.

قال “لدي رأيين متضادين. أنا سعيد للغاية بالتحرير، ولكني قلق جداً بشأن أقاربي في الموصل.”

وكما هو حال كريم، ينتاب الحكومات الدولية ومنظمات الإغاثة قلق شديد إزاء المخاطر المتعلقة بما قد ينتج عن طرد الدولة الإسلامية من الموصل من تهجير لما يزيد عن المليون نسمة ممن لا يزالون يعيشون داخل المدينة بعد أكثر من عامين على الاحتلال. علاوة على ذلك، هنالك خطر آخر على المدى الطويل يتمثل في عدم امتلاك الاستراتيجيات العسكرية والدبلوماسية على ما يبدو لخطة واضحة لما سيحدث بعد الحملة العسكرية. وكما قال أثيل النجيفي، محافظ نينوى، لصحيفة نيويورك تايمز، “ليس هناك أي اتفاق حول أي شيء بعد التحرير. إنه أمر خطير للغاية.”

والأخطر من كل هذا قد يتمثل في الفكرة السائدة بين صناع القرار في أن الولايات المتحدة، بالتعاون مع القوى الإقليمية والأطراف العراقية الفاعلية من خارج الموصل، يجب أن تقرر مستقبل المدينة. هناك قوة مؤهلة ذات مكانة مميزة لقيادة عملية إعادة الاعمار السياسي والاجتماعي والاقتصادي في الموصل: الموصليين، كما يُطلق على أهل الموصل في اللغة العربية، والذين تشرد عدد كبير منهم لكنهم لم يتخلوا عن مدينتهم.

يعتبر أحمد، أستاذ الكيمياء الحيوية في كلية الطب بجامعة الموصل، واحداً منهم. فقد هرب مع أسرته من الموصل في حزيران/ يونيو 2014 ليستقر في زاخو، على بعد 75 ميلاً شمال الموصل. الآن، يأتي أحمد إلى مستشفى زاخو العام في معظم الأيام بصفته مشرفاً على تدريس ما يقرُب من 60 من طلاب جامعة الموصل في المراحل الرابعة والخامسة والسادسة من كلية الطب ممّن يواصلون دراستهم هناك بصفة ضيوف على حكومة إقليم كردستان.

تعتبر حكاية جامعة الموصل منذ عام 2014 تجربة مفيدة. حيث يمكن استخدامها للمساعدة في تذكير صناع القرار بالإمكانات البشرية الكبيرة غير المستغلة والتي يبنغي أن تكون المادة الخام لإعادة إعمار الموصل. فقد احتلت الدولة الإسلامية ما تبقى من حرم جامعة الموصل وبدأت بتقديم الحصص الدراسية وفق تفسير متشدد للإسلام لا تسمح بموجبه بتدريس الأدب أو الفن. (اقرأ: تعرف على سياسات “داعش” الجامعية.) في الوقت ذاته، مع ذلك، انتقلت الإدارة الأساسية لجامعة الموصل في فترة ما قبل الدولة الإسلامية – بما في ذلك رئيس الجامعة ونائب رئيس الجامعة للشؤون العلمية – إلى مدينة دهوك ذات الغالبية الكردية، حوالي 45 ميلاً إلى الشمال من مدينة الموصل، حيث بدأوا بقيادة الجامعة في المنفى.

بالإضافة إلى طلاب الطب في زاخو، يأخذ 5,000 من طلاب العلوم الإنسانية دروساً مسائية في مدرسة ثانوية خارج دهوك. كما يحضر 10,000 آخرين من طلاب كلية العلوم فصولاً دراسية ويستخدمون المختبرات في مبنى للعلوم في المقر القديم لجامعة كركوك قامت الجامعة بإعارته لطلاب جامعة الموصل من النازحين. يقضي بعض الطلاب والأساتذة ست ساعات أسبوعياً في رحلة الذهاب والإياب بين دهوك وكركوك، وهم يعانون من نقاط التفتيش المزدحمة ولقائهم بقوات الأمن الكردية المرتابة في أمرهم.

قال أُبي سعيد الديوه جي، رئيس جامعة الموصل الذي يرأس الجامعة من غرفة في الطابق الثاني من فندق صغير تم تحويله ليكون مبنى إدارياً، إن الطلاب المهجرين الذين يدرسون في ظروف مؤقتة يمثلون مستقبل الموصل.

وأضاف، وهو يهز رأسه، “من الصعب، من الصعب جداً أن نتصور المستقبل. سوف نستمع إلى الأشخاص الذين يستطيعون مساعدتنا ونقول إذا ما كان ذلك مقبولاً أو لا.” يبدو الديوه جي متخوفاً، لأنه يدرك بأنه لا يمكن استعادة الموصل من الدولة الإسلامية من دون مساعدة دولية. لكنه عاش أبان غزو العراق بقيادة الولايات المتحدة عام 2003 وشهد كل ما يمكن أن يمضي بطريقة خاطئة عندما يقوم خبراء عسكريون وخبراء إعادة إعمار أجانب بوضع الخطط لمرحلة ما بعد الصراع لمكان لا يفهمونه بشكل تام. عانى الديوه جي شخصياً من انعدام الأمن الذي خيم على الموصل – وقد أصيب برصاصة في الرقبة في محاولة اغتيال فاشلة عام 2011. لكنه كان محظوظاً نسبياً، فقد قتل ما يقرُب من 500 أكاديمي في العراق في الفترة بين 2003 و2012، بعضهم بسبب اعتبارهم عملاءً للغرب، وآخرين بسبب مناصبهم المرموقة ببساطة. لكنه لا يزال يرى أن التضحيات التي قدمها وزملاؤه لإبقاء واحدة من أكبر الجامعات على قيد الحياة في خضم كارثة كبرى لم تلق الاحترام اللازم. بل إن حكومته لا تثق به ولا بزملائه.

.أُبي سعيد الديوه جي، رئيس جامعة الموصل

قال “من الصعب اتخاذ أي قرار في ظل هذه الظروف. نحن نعاني من سوء فهم من جانب بغداد. حيث تنظر وزارة التعليم العالي إلى جامعة الموصل بطريقة تختلف عن نظرتها لجامعة بغداد وغيرها من الجامعات. نحن نتلقى مبالغ صغيرة مع غياب لوجود أي دعم. إنهم ينظرون إلينا كما لو أننا قد “رحبنا بداعش”. نحن لا نمتلك بيوتنا، ولا أموالنا، ولا ذهبنا. لقد غادرنا الموصل من دون أي شيء.”

وأضاف “لقد غادرنا الموصل ونحن نعتقد بأننا سنعود مرة أخرى بعد ثلاثة أيام. إنه حلم الآن.” وقال إنه يرغب في “العثور على موصل أخرى” في إشارة للمساعدة في إنشاء واحدة جديدة.

لا أحد يعرف ما هو الشكل الذي ستبدو عليه الموصل الأخرى، إلا أن الأمر يتطلب جهوداً ضخمة لبنائها. حتى الآن، يتصارع المجتمع الدولي – بما في ذلك الأمم المتحدة والولايات المتحدة وعدد لا يحصى من المنظمات الدولية غير الحكومية – حول احتمالية تهجير أكثر من مليون نازح جديد في ظل غياب لموارد كافية تقريباً لمساعدتهم. إنها قصة الصراعات العنيفة الحديثة. حيث لا توجد إجابات عالمية، والحلول الحقيقية الوحيدة هي تلك الحلول المحلية التي يصوغها مجتمع ما مرة واحدة.

في حالة الموصل، يعني ذلك إشراك أولئك الناس الذين أظهروا بالفعل مرونة كبيرة في عهد الدولة الإسلامية الفظيع. إنهم وحدهم من يعرف أفضل السبل لمواجهة التحديات التي تبدأ مع الأضرار المرئية (مثل الأضرار الجسيمة في البنى التحتية للمدينة) وحتى الأضرار غير المرئية (مثل الآثار على الأطفال الصغار الذين وقعت فترة دراستهم الوحيدة في ظل الدولة الإسلامية).

قال نزار قيبي، القائم بأعمال نائب رئيس جامعة الموصل للشؤون العلمية، “لقد نجحنا في إعادة الجامعة هنا من لا شيء بفضل الله. لكن، عندما نعود إلى جامعة الموصل، نأمل أن نكون قادرين، بمساعدة الأصدقاء والحكومة، على تحديد الأولويات، على المدى القريب، والمتوسط، والبعيد. ونأمل في أن يكون أعضاء هيئة التدريس من الشباب قادرين على المشاركة في إعادة الإعمار وإعادة بناء الجامعة من جديد.”

وإذا ما في كان في إمكان ذلك أن يحصل أو لا يتوقف على توفر فرص حقيقية لأولئك الشباب المفعمين بالنشاط الذين ناضلوا من أجل مواصلة تعليمهم في ظل ظروف مؤقتة. فهل سيرغبون في البقاء ومحاولة إعادة البناء أم أن الأفضل والألمع سرعان ما سيفقدون الأمل ويذهبون إلى مكان آخر؟

قال إبراهيم، طالب الطب في الصف السادس والذي يدرس في زاخو، “الأمر يعتمد على ما ستكون عليه الموصل بعد داعش. إذا كانت الموصل آمنة، فإني سأود العودة إلى عائلتي وأصدقائي. لكن، إذا كان الأمر خطيراً …” قبل أن يقاطعه سلال،  طالب الطب الآخر في المرحلة السادسة قائلا “بالنسبة لي، [إنها] الموصل. إذا ما قررنا جميعاً المغادرة، فكيف سيكون في إمكان الموصل أن تحيا؟ نحن نرغب في العودة إلى مدينتنا الجريحة في أسرع وقت ممكن.”

ترجع الخطوة الأولى لأولئك الذين يستعدون لإعادة الإعمار. بإمكاننا أن نختار الاستماع إلى الموصليين – الذين ستكون المخاطر أعلى بالنسبة لهم – وضمان امتلاكهم للدعم الذي يحتاجون إليه ليصبحوا قادة موصل تنعم بالسلام في مرحلة ما بعد الدولة الإسلامية. وبإمكاننا أن نختار قيادة الطريق بأنفسنا، واثقين في الاستثمار في الأفكار والمنظمات الغربية التي تمتلك سجلاً لتجارب طورت في مكان آخر. في كلتا الحالتين، سنعيش – والجيل الجديد من الشباب الموصلي – مع عواقب تلك الاختيارات.

*توماس هيل، مدير مبادرة بناء السلام من خلال التعليم في مركز الشؤون الدولية في كلية الدراسات المهنية بجامعة نيويورك. كاترينا سييرا، طالبة ماجستير في مركز الشؤون الدولية بجامعة نيويورك.

Countries

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى