رأي

ما يجب أن يفعله العراقيون للارتقاء بنظامهم التعليمي.. قراءة في كتاب للأكاديمي محمد الربيعي

(الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء شخصية للكاتب ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الفنار للإعلام).

في كتابه المعنون «قضايا التعليم في العراق»، يطرح الأكاديمي العراقي د. محمد الربيعي، جملة من الأفكار حول النظام التعليمي في بلاده، وسبل الارتقاء به، من خلال ثلاثة محاور أساسية، هي: الصعوبات، والتحديات، والحلول، موزعة على ثلاثين فصلًا.

الكتاب، الصادر عن مؤسسة لندن للطباعة والنشر، يتناول تشخيص الإشكاليات التي يعاني منها التعليم في العراق، والتحديات التي تقف بوجه عجلة تطور مسار العملية التربوية والتعليمية، مقرونة بالحلول الموضوعية التي لو أخذ بها أصحاب القرار، لأعطت حظًا وافرًا لتقدم مسيرة التعليم في الاتجاه السليم، بما يخدم بناء أجيال المستقبل.

ويشير المؤلف إلى أن رؤية المؤسسات التعليمية الدولية، التي تهتم بالشأن العراقي، تنطلق من ضرورة إعطاء الأولوية للاستثمار في التعليم، وتوسيع دائرة الاهتمام بالميزانية المخصصة لهذا القطاع بهدف إصلاحه، والنهوض بدور المؤسسات التعليمية، وتحسين أداءها المهني، وتجاوز إشكالية ضعف جودة التعليم.

اقرأ أيضًا: (جامعات العراق تبحث عن خارطة طريق لإعادة الإعمار).

فيما يدعو المؤلف قادة التعليم في العراق إلى الاستفادة من كتابه، يؤكد أنه على أجيال المستقبل ضرورة ابتكار الأساليب التي تساعد في كيفية التفكير، والتعلم، واتخاذ القرارات الصائبة التي تحفزهم على التفكير النقدي المرتبط بالمهارات العملية.

تتجسد فكرة د. الربيعي، في كتابه، بأن التعليم هو الأداة الأهم في عملية بناء أي مجتمع طموح، يريد أن يشق طريقه في عالم التنمية الوطنية والبشرية والمجتمعية، وفي كل مجالات التطور التقني. فالتعليم هو الأساس في تقدم الأمم، وتحقيق الرفاه الاجتماعي والاقتصادي الذي من خلاله تسود قيم المساواة في الحقوق والواجبات.

تجربة سنغافورة وفنلندا في التعليم

وانطلاقًا من حقيقة أن الدول التي طورت نظامها التعليمي حققت تقدمًا في مجالات الحياة كافة، يتطرق الكتاب إلى تجربة سنغافورة، كما يقدم فصلًا عن نظام التعليم الفنلندي، مبينًا التحولات الكبيرة التي جعلتهما في أعلى المراتب الدولية في مجالات التعليم.

ويرى الكاتب أن العراق يعيش في دوامة أزمات مركبة ومتشابكة، ليس لها حلول آنية، بسبب آفة الفساد السياسي والمالي المتفاقم في كل مفاصل الدولة، بحسب تعبيره، حتى أصبح العراق يحتل قائمة البلدان المتأخرة. ولذلك، يذهب الكتاب إلى القول بأن الإجراءات الترقيعية الفاشلة التي قامت بها الحكومات المتعاقبة، لم تجد مردودًا عمليًا في إيجاد الحلول الجذرية، لأن الإشكالية بنيوية وعميقة تستلزم حلولًا علمية، وعملية تسهم في نهوض المؤسسات التعليمية، وتتطلب مشاركة أصحاب الاختصاص من الداخل والخارج في تشخيص العلل.

ويلخص د. الربيعي علل النظام التعليمي، في إنتاج أجيال لا تهتم بالأساليب التعليمية العصرية، بل اهتمت بالتلقين، والحفظ، والغش، وتبوأت قمة الهرم التعليمي. وبالمقابل، هناك بخس لأصحاب الكفاءات والمواهب من المتعلمين. فأصبح الذكاء مجرد مقياس لدرجة حفظ، وترديد المعارف، وتسجيلها، وتسميتها واستذكارها.

وفيما تشكو الأكثرية من سوء التعليم، ومن فساد النظام التعليمي، وضعف الالتزام بالتربية الأخلاقية في معظم المؤسسات التعليمية، لم تعد الحلول والإجراءات الشكلية – يقول الكاتب – قادرة على رسم الخطط، والرؤى العلمية لرفع مستوى التعليم في العراق، بسبب كثرة التحديات، وانعدام الثقة في المؤسسات التعليمية والثقافية، نتيجة الاضطراب السياسي السائد في كل جوانب الحياة.

اقرأ أيضًا: (شراكة أوروبية – كردية تستهدف إصلاح الجامعات في كردستان العراق).

وبشكل أكثر تفصيلًا، يشير المؤلف إلى إحدى العلل التي أسهمت في تخلف العراق العلمي والتكنولوجي، والتي تكمن بدرجة كبيرة في مدى التخلف في اللغات العالمية، لأنها الوسيلة الأساسية في اقتباس المعلومات، وكسب العلوم، ونقل التكنولوجيا، وبها أيضًا يتم نقل علومنا، وابتكاراتنا، واكتشافاتنا، وكل ما يمكن أن نساهم به لتطوير الحضارة الإنسانية، إلى العالم.

تنمية التفكير النقدي

ويشدد المؤلف على أهمية أن يكون التعليم متاحًا للجميع، مشيرًا إلى ضرورة تطوير النظام التعليمي بحيث لا يُجبر الأطفال بأن يكونوا نماذج ببغائية، بل تشجيعهم على حب توسيع المشاركة، وطرح الأسئلة، وتناول الموضوعات التي تمس حياتهم اليومية، باستخدام مختلف التقنيات الحديثة التي تسهم في زيادة فاعليتهم ومهاراتهم، مع ضرورة اعتماد السياسات التعليمية الرصينة، بطرق ووسائل مبنية على التخطيط المبرمج، وتنمية التفكير النقدي العلمي الإبداعي القادر على التحليل الموضوعي بمهنية عالية، وبوضوح وعقلانية.

غلاف كتاب الأكاديمي العراقي د. محمد الربيعي المعنون: «قضايا التعليم في العراق.. صعوبات وتحديات وحلول» (موقع صحيفة الزمان العراقية).

وبالإضافة إلى ما سبق، ينادي الأكاديمي محمد الربيعي بتبني الأساليب الاستكشافية التي تعزز المهارات، وتقوي الذات العاقلة التي تركز على الفهم والتطبيق، بدلًا من متاهات الشرح، والتفسير، والحفظ، والاجترار.

ومن خلال زياراته المتكررة للمؤسسات التعليمية، وخبرته المهنية، يؤكد د. الربيعي على أهمية مسألة الانتماء، والالتزام الأخلاقي. ويشير إلى وجود أزمة في المعارف، والقيم، والأخلاق المتعلقة بالسلوك الإنساني، وبعدم قدرة المناهج التدريسية المتبعة على تنمية شخصية العراقي كفرد يفتخر بالانتماء لمؤسسته سواء أكانت مدرسة، أم جامعة، أم دائرة حكومية، أو مصنع، وكعضو صالح ومنتج في مجتمع ديمقراطي حر، وكمواطن ملتزم بالقوانين.

كما يدعو إلى أهمية تدريس التربية الوطنية، وتطوير المناهج الرصينة، بما يراعي متطلبات روح العصر؛ لأنه لا يكفي تغيير الفلسفة التربوية بدون ترجمتها إلى الواقع العملي، مؤكدًا بأن التحسن النوعي للتعليم يكمن في توفير فرص التدريب، باعتبارها الأساس في إصلاح التعليم، وتجاوز ضعف التكوين المعرفي لأداء الجودة، والارتقاء بكفاءة الكادر التعليمي الذي يمتلك التأثير المباشر في العملية التعليمية، مع ضرورة معالجة نظام الامتحانات بالاعتماد على التقنيات النوعية الحديثة  ذات المعايير الموثوقة، مدعومة برؤية مستقبلية وطنية للتغيير الشامل، تعزز تطوير البنى التحتية الحديثة التي توفر البيئة الصحية للعملية التعليمية.

مسألة التعليم في العراق لم تعد ذات طابع تقني، فهي ليست مجرد مسألة إصلاح الأدوات والبرامج والأنظمة الإدارية، بل هي مسألة سياسية تحتاج إلى معالجات عقلانية متطورة، تقف على مسببات الأزمة وتتجاوزها برؤية تسهم في رفع المستوى التعليمي والارتقاء به إلى المستويات العالمية.

ويخلص الكاتب إلى القول إن مسألة التعليم في العراق لم تعد ذات طابع تقني، فهي ليست مجرد مسألة إصلاح الأدوات والبرامج والأنظمة الإدارية، بل هي مسألة سياسية تحتاج إلى معالجات عقلانية متطورة، تقف على مسببات الأزمة وتتجاوزها برؤية تسهم في رفع المستوى التعليمي والارتقاء به إلى المستويات العالمية، مع ضرورة الاستفادة من تجارب الشعوب المشابهة لواقعنا التي تمكنت من توفير التعليم، بما يتناغم واحتياجات القرن الحادي والعشرين بصورة أبعد من مجرد القراءة والكتابة، ألا وهي القدرة على حل المشكلات، والاتصال، والمحادثة بما يؤهل الأجيال للتعليم الذاتي النوعي مدى الحياة، على أسس سليمة قابلة للتنفيذ.

ومن شأن ذلك – بحسب الكاتب – يمكن لأجيال الدارسين تجاوز الأزمات المعرفية التي تعوق عملية التطور، وتحقق مزايا التعليم والثقافة المجتمعية الواعية التي تؤهل الطالب بأن يتفهم تطورات السوق، وحاجاته لمواجهة تحديات الحياة العملية.

وفي الختام، يرى المؤلف أننا محاطون بالتطورات التكنولوجية، ومنتجات العلم في كل مجالات الحياة، وأمامنا تحديات بلا حدود، تتطلب من صناع القرار، القناعة بضرورة مواكبة عملية التحديث، وتوفير البيئة التفاعلية من خلال الاستعمال الواسع للتقنيات الإلكترونية، والأجهزة الحديثة التي تصب في ازدهار العراق، وتحقيق المساواة الاجتماعية والصحية في المجالات العلمية كافة. وفيما يدعو قادة التعليم في العراق إلى الاستفادة من كتابه، يؤكد أنه على أجيال المستقبل ضرورة ابتكار الأساليب التي تساعد في كيفية التفكير، والتعلم، واتخاذ القرارات الصائبة التي تحفزهم على التفكير النقدي المرتبط بالمهارات العملية.

* د. عبد الحسين الطائي
أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا.

اقرأ أيضًا:

ابحث عن أحدث المنح الدراسية عبر موقعنا من هنا، وشاركنا النقاش عبر مجموعتنا على «فيسبوك» من هنا، وللمزيد من المنح، والقصص، والأخبار، سارع بالاشتراك في نشرتنا البريدية.

Countries

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى